رئيسة الحكومة وإشكالية الوزراء المنتدبين.. بين انتظار التفويضات وتنازع الاختصاصات واختبار نجاعة العمل الحكومي

رشيد لزرق*

تطرح مسألة تأخر استكمال التفويضات المتعلقة ببعض الوزراء المنتدبين في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري إشكالية تتجاوز الجوانب الإدارية والتنظيمية، لتلامس جوهر المسؤولية الدستورية لرئيسة الحكومة في قيادة وتنسيق العمل الحكومي وضمان انسجام مكوناته. فالتعيين في منصب وزير منتدب لا يكفي، في حد ذاته، لضمان ممارسة فعلية وواضحة لجميع الصلاحيات المرتبطة بالقطاع المعني، ما لم تستكمل المراسيم والقرارات المحددة للاختصاصات والتفويضات. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: إلى أي حد تستطيع رئيسة الحكومة ضمان وحدة القرار الحكومي وفعالية أدائه في ظل هندسة حكومية تتوزع فيها المسؤوليات بين وزراء ووزراء منتدبين قد تتقاطع مجالات تدخلهم؟

من الناحية الدستورية، منح دستور 2011 لرئيس الحكومة موقعا محوريا في قيادة السلطة التنفيذية، ولا سيما من خلال الفصول 89 و90 و93، بينما أسند القانون التنظيمي رقم 065.13 إلى رئيس الحكومة صلاحية تحديد مهام أعضاء الحكومة واختصاصاتهم والهياكل الإدارية التي يمارسون السلطة عليها. كما أجاز للوزراء المنتدبين تلقي تفويض في الاختصاص أو في الإمضاء. غير أن الإشكال لا يكمن في مشروعية هذا التنظيم، وإنما في كيفية تنزيله عمليا، خاصة عندما لا يكون الفصل واضحا بين سلطة الوزير الأصلي وصلاحيات الوزير المنتدب. فالغموض في تحديد الاختصاصات قد يفتح المجال أمام ازدواجية القرار، وتداخل المسؤوليات، وصعوبة تحديد الجهة المخولة قانونا لاتخاذ بعض القرارات الإدارية والمالية، وهو ما قد ينعكس على سرعة الإنجاز وفعالية المرفق العمومي.

وتزداد حساسية هذه الإشكالية داخل الحكومات الائتلافية، حيث لا تنفصل الهندسة الحكومية عن اعتبارات التوازن السياسي بين مكونات الأغلبية. فقد يتحول توزيع الحقائب والقطاعات المنتدبة، إذا لم يستند إلى تحديد دقيق للمسؤوليات، إلى مصدر لتباين التأويلات بشأن حدود السلطة الوزارية، خصوصا في الملفات المرتبطة بالإشراف على الإدارات، والتعيينات، وتدبير الموارد والصفقات العمومية. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين مجرد احتمال تنازع الاختصاصات وبين وقوع تنازع فعلي مثبت؛ لأن وجود وزير ووزير منتدب داخل قطاع واحد لا يشكل في ذاته اختلالا دستوريا، وإنما تتوقف سلامة هذا التنظيم على وضوح النصوص المؤطرة له وفعالية آليات التنسيق بين الطرفين.

وفي هذا السياق، تتحمل رئيسة الحكومة مسؤولية تنظيمية وسياسية أساسية في استكمال خريطة الاختصاصات، وضبط حدود التفويضات، ومنع تحول العلاقة بين الوزراء والوزراء المنتدبين إلى مجال للتنافس على الصلاحيات. وقد شهدت هذه العملية تقدما مع صدور مراسيم تحديد اختصاصات عدد من الوزراء بتاريخ 26 أكتوبر 2026، إلى جانب تفويض صريح لبعض الاختصاصات والسلط إلى الوزيرة المنتدبة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني. غير أن استكمال هذه الهندسة بالنسبة لبقية القطاعات يظل ضروريا لضمان الوضوح القانوني والمؤسساتي. فسلطة رئيسة الحكومة لا تختزل في توزيع المسؤوليات عند تشكيل الفريق الحكومي، بل تشمل أيضا ضمان التنسيق والتكامل، وحسم الخلافات التنظيمية، وربط ممارسة الاختصاصات بالمحاسبة على النتائج.

وتقتضي معالجة هذا الإشكال اعتماد مقاربة مؤسساتية تقوم على إصدار التفويضات اللازمة بصياغة دقيقة، وتحديد الهياكل الإدارية ومجالات القرار لكل عضو حكومي، والتمييز بين التفويض في الاختصاص والتفويض في الإمضاء، مع إرساء آليات فعالة للتنسيق والتحكيم داخل الحكومة. فالتحدي الحقيقي أمام رئيسة الحكومة ليس فقط استكمال البناء القانوني للهندسة الحكومية الجديدة، وإنما تحويلها إلى منظومة متماسكة لإنتاج القرار وتنفيذ السياسات العمومية. وبذلك تصبح قضية الوزراء المنتدبين اختبارا مبكرا لقدرة رئاسة الحكومة على الانتقال من تدبير التوازنات السياسية إلى قيادة عمل حكومي منسجم، تكون فيه المسؤوليات واضحة والاختصاصات محددة والنتائج قابلة للتقييم والمساءلة.

*أستاذ جامعي في القانون العام

التعليقات على رئيسة الحكومة وإشكالية الوزراء المنتدبين.. بين انتظار التفويضات وتنازع الاختصاصات واختبار نجاعة العمل الحكومي مغلقة

أضف تعليق

 

فيديوهات المغرب بريس