الأحرار يفتحون النار على مشروع مالية 2027 لحكومة المنصوري: 62 مليار درهم لا تصنع القطيعة والوعود الاجتماعية مؤجلة إلى 2031

انتقد فريق التجمع الوطني للأحرار، علا لسان رئيسه ياسين عكاشة، من موقع المعارضة البرلمانية، ما اعتبره تناقضا بين خطاب القطيعة والتغيير الذي ترفعه الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، والاختيارات المالية التي يتضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2027، محذرا من تقديم التزامات سابقة وإصلاحات مستمرة باعتبارها إنجازات جديدة، دون توضيح القيمة المضافة الفعلية للحكومة الحالية.

 

واعتبر رئيس الفريق التجمعي، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، اليوم الأربعاء، أن الغلاف المالي البالغ 62 مليار درهم، الذي تقدمه الحكومة باعتباره عنوانا لتحول اجتماعي واقتصادي، يطرح أسئلة بشأن طبيعة النفقات المدرجة فيه، ومدى ارتباطها بإجراءات جديدة، مقابل استمرار تمويل أوراش أطلقتها الحكومة السابقة.

 

وشدد المتحدث على أن ضخامة الأرقام المعلنة لا تكفي لإثبات حدوث تحول في السياسة الاجتماعية، متسائلا عما إذا كان مبلغ 62 مليار درهم يمثل مجهودا اجتماعيا إضافيا بالفعل، أم مجرد تجميع لالتزامات مالية متفاوتة الطبيعة، بعضها مرتبط باستمرار إصلاحات قائمة، جرى تقديمها تحت عنوان واحد لإبراز حجم التغيير الحكومي.

 

وفي هذا السياق، سجل رئيس الفريق التجمعي أن التخفيض الضريبي لا يشكل بالضرورة تحويلا اجتماعيا مباشرا، وأن الاستثمار الترابي لا يعني تلقائيا دعما يصل إلى دخل الأسر، كما أن مواصلة تمويل إصلاحات قائمة لا تكفي وحدها لإثبات القيمة المضافة للحكومة الجديدة.

ووجهت المداخلة انتقادات مباشرة إلى الفجوة بين الوعود الانتخابية للحكومة وما تتضمنه ترجمتها المالية في السنة الأولى من الولاية، خصوصا في ما يتعلق بتحسين القدرة الشرائية، ورفع الأجور، والتشغيل، والمعاشات، معتبرا أن جزءا أساسيا من الالتزامات الاجتماعية جرى ترحيله إلى أفق سنة 2031.

وتوقف رئيس الفريق التجمعي عند ثلاثة ملفات أساسية، أولها إصلاح الضريبة على الدخل، الذي يقدم باعتباره مدخلا لتحسين أجور الطبقة الوسطى، غير أن بلوغ أهدافه المعلنة، بحسب المداخلة، لن يتحقق إلا سنة 2031.

 

أما الملف الثاني فيتعلق بالحد الأدنى للمعاشات، إذ أشار إلى أن الحكومة التي وعدت برفعه إلى 3000 درهم لن تتجاوز به 1700 درهم خلال سنة 2027، فيما يرتبط الملف الثالث بالدعم الاجتماعي المباشر، الذي سبق أن رُفع سقف الوعود بشأنه إلى 1000 درهم، بينما لن تتجاوز الزيادة الأولى المعلنة 100 درهم شهريا.

 

وطرح المتحدث، بناء على هذه المعطيات، تساؤلات بشأن مدى قدرة المشروع على تحقيق استعادة فعلية للقدرة الشرائية، في وقت تظل فيه الأسر مطالبة بمواجهة تكاليف المعيشة اليومية، معتبرا أن إعادة جدولة الوعود الاجتماعية على امتداد خمس سنوات تفرض مساءلة الحكومة عن الفارق بين ما تعهدت به وما تقترحه فعليا خلال السنة الأولى.

 

ولم تقتصر انتقادات الفريق التجمعي على حجم الالتزامات الاجتماعية، بل امتدت إلى مصادر تمويلها ومدى انسجامها مع الأهداف المالية التي أعلنتها الحكومة، خصوصا حصر عجز الميزانية في 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وخفض مديونية الخزينة إلى 66.9 في المائة.

 

واعتبرت المداخلة أن الجمع بين توسيع الالتزامات الاجتماعية، وتخفيف العبء الضريبي، وتقليص المديونية، يفرض على الحكومة تقديم توضيحات بشأن الموارد المتاحة والهوامش المالية الحقيقية التي ستسمح بتحقيق هذه الأهداف، دون المساس باستدامة الحقوق الاجتماعية أو ترحيل كلفة الالتزامات إلى السنوات المقبلة.

 

كما شدد المتحدث على ضرورة التمييز بين الاعتمادات الجديدة والالتزامات التي سبق الترخيص بها، مشيرا إلى أن قانون المالية لسنة 2026 سبق أن رخص بالتزامات تصل إلى 15 مليار درهم على حساب اعتمادات سنة 2027، لفائدة صندوق التنمية الترابية المندمجة، في وقت أعلنت فيه الحكومة تخصيص 25 مليار درهم للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة خلال السنة المقبلة.

 

واعتبر أن هذا المعطى يفرض توضيح العلاقة بين الالتزامات السابقة والغلاف المالي الجديد، حتى لا تتحول إعادة تجميع المشاريع والبرامج القائمة إلى عنوان سياسي لتحول مالي لم تتضح بعد قيمته المضافة.

 

وفي ملف التشغيل، أثار رئيس الفريق التجمعي مسألة تخصيص 6 مليارات درهم لبرامج التكوين والمواكبة والإدماج، معتبرا أن هذه المقاربات سبق للمغرب أن اختبرها في تجارب حكومية متعاقبة، وكشفت محدودية نتائج بعضها عن فجوة بين الوعود المقدمة للشباب وفرص الشغل التي تحققت فعليا.

 

وربط المتحدث بين استمرار البطالة وتراكم الإحباط وتراجع الثقة في الوعود العمومية، محذرا من إعادة إنتاج المقاربات نفسها بعناوين جديدة وأغلفة مالية أكبر، دون استخلاص الدروس من التجارب السابقة.

 

وأكد أن التكوين لا يعادل الحصول على منصب شغل، وأن المواكبة لا تشكل أجرا، كما أن المرور عبر برنامج حكومي لا يعني الخروج من البطالة، مشددا على أن الشباب ينتظرون فرص عمل حقيقية تضمن الدخل والاستقرار والكرامة، بدل الانتقال من برنامج إلى آخر.

 

وفي السياق ذاته، دعا إلى إخضاع برامج التشغيل لتقييم فعلي يقيس قدرتها على توفير فرص شغل مستدامة، عوض الاكتفاء بالإعلان عن الاعتمادات المالية المرصودة لها.

 

وسياسيا، رفض رئيس الفريق التجمعي ما اعتبره محاولة لتصوير التجربة الحكومية السابقة باعتبارها قائمة على تغليب منطق السوق والربح على متطلبات العدالة الاجتماعية، منتقدا توظيف مفاهيم من قبيل “النيوليبرالية” و”الرأسمالية المتوحشة” في النقاش العمومي.

 

واعتبر أن الدفاع عن المبادرة الاقتصادية والمقاولة لا يعني تبني الرأسمالية المتوحشة، مثلما أن بناء الدولة الاجتماعية لا يتحقق بمعاداة السوق، وإنما بتأطيره وضمان المنافسة العادلة وربط النمو الاقتصادي بالإنصاف الاجتماعي.

 

وسجل أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يكشف، بحسب قراءته، مفارقة بين خطاب يعلن تجاوز فلسفة اقتصادية واجتماعية سابقة، واختيارات مالية تواصل عددا من إصلاحاتها الأساسية، من تعميم الحماية الاجتماعية إلى إصلاح الضريبة على الدخل، وتحسين الأجور، وتفعيل ميثاق الاستثمار، وإصلاح منظومتي الصحة والتعليم.

 

وأكد أن فريق التجمع الوطني للأحرار لا يعتبر استمرارية الإصلاحات عيبا، وإنما ضرورة مؤسساتية لصون المكتسبات الوطنية، لكنه يرفض تقديم الالتزامات القائمة باعتبارها إنجازات جديدة، دون الاعتراف بتراكم الجهود السابقة وتحديد ما ستضيفه الحكومة الحالية.

 

وفي ختام مداخلته، أكد رئيس الفريق التجمعي أن موقف حزبه من التصويت على مشروع قانون المالية لسنة 2027 سيظل قرارا سياسيا سيُتخذ في الوقت المناسب، بناء على مآل المناقشة التشريعية، ومضمون الصيغة النهائية للمشروع، ومدى تفاعل الحكومة مع ملاحظات الفريق وتعديلاته.

 

وشدد على أن تموقع التجمع الوطني للأحرار في المعارضة لا يجعله طرفا في معارضة الإصلاحات الوطنية، مثلما أن مسؤوليته الحكومية السابقة لا تلزمه بمساندة اختيارات الحكومة الحالية، مؤكدا تمسك الفريق بحقه الدستوري في النقد والتعديل والمساءلة.

 

أضف تعليق

 

فيديوهات المغرب بريس