الأحرار يقطرون الشمع على المنصوري في البرلمان: استعملتم المسار الذي كنتم تنتقدونه “حصان طروادة” في الحملة الانتخابية

انتقد ياسين عكاشة، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب، استمرار الاختيارات الحكومية السابقة في البرنامج الذي قدمته فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، معتبرا أن حزب الأصالة والمعاصرة رفع خلال الحملة الانتخابية شعار “تغيير المسار”، قبل أن يقدم برنامجا حكوميا يكرس، بحسب تعبيره، استمرارية التوجهات نفسها التي سبق أن انتقدها.

 

وقال عكاشة، خلال جلسة مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس النواب، اليوم الخميس، إن رئيسة الحكومة وعدت المغاربة بتغيير المسار، قبل أن تعلن في برنامجها الحكومي استمرار المسار السابق، مضيفا مخاطبا المنصوري: “مرحبا بكم في الطريق الذي كنتم تنتقدونه، مرحبا بكم في المسار الذي جعلتم منه حصان طروادة خلال الحملة الانتخابية”.

 

وأضاف رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، في مداخلة أعلن من خلالها توجه حزبه إلى المعارضة، أن “اللي كان تيقول البارح تغيير المسار، راه اليوم تيقول الله يكمل بخير هاد المسار”، في إشارة إلى ما اعتبره تناقضا بين الخطاب الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة والاختيارات التي تضمنها البرنامج الحكومي الجديد.

 

واعتبر عكاشة أن جزءا مهما من توجهات البرنامج الحكومي الحالي يجد امتداده في فلسفة وبرنامج الولاية الحكومية السابقة، مؤكدا أن الانتقال إلى المعارضة لا يعني تخلي التجمع الوطني للأحرار عن مسؤولياته الوطنية، بل ممارسة دوره الدستوري في مراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية وتقديم البدائل والمقترحات.

 

وأوضح أن حزبه سيعتمد ما وصفه بـ”المعارضة المجدية”، التي تستند إلى استقلالية القرار والمسؤولية في المواقف والواقعية في الاقتراحات، مشددا على أن المعارضة التي يعتزم فريقه ممارستها لن تجعل من النقد أو الشعبوية غاية في حد ذاتهما، وإنما ستنطلق من مساءلة الحكومة ومحاسبتها على نتائج عملها.

 

وفي تقييمه للبرنامج الحكومي، سجل عكاشة أن التجربة الحكومية السابقة خلفت، بحسب عرضه، مؤشرات اقتصادية إيجابية، من بينها تراجع التضخم إلى أقل من واحد في المائة، وبلوغ معدل النمو 4.6 في المائة، وانخفاض عجز الميزانية إلى ثلاثة في المائة، داعيا الحكومة الجديدة إلى تحصين هذه المؤشرات والبناء عليها، معتبرا أن استمرار الإصلاحات الكبرى يقتضي التراكم والتطوير، مع تحمل كل حكومة مسؤولية اختياراتها والنتائج التي تحققها.

 

غير أن رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار اعتبر أن استمرار الدولة في تنفيذ الأوراش الاستراتيجية لا يعفي الحكومة الجديدة من مسؤولية تحديد هويتها السياسية وأولوياتها، مؤكدا أن النموذج التنموي الجديد والأوراش الوطنية الكبرى تشكل مرجعيات مشتركة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلا عن الاختيارات السياسية الخاصة بالحكومة، ولا عن توضيح كيفية توزيع الموارد وتحديد مجالات التدخل.

 

وفي هذا السياق، تساءل عكاشة عن القيمة المضافة التي تعتزم الحكومة تقديمها خلال ولايتها، وعن الاختيارات الجديدة التي تتحمل مسؤوليتها السياسية، والضمانات المالية والمؤسساتية والتنفيذية التي تستند إليها، فضلا عن المؤشرات والآجال التي ستتيح للبرلمان تقييم مدى الوفاء بالالتزامات المعلنة.

 

وانتقد المتحدث ما اعتبره غيابا للدقة في تحديد الالتزامات الحكومية وشروط تنفيذها، مشيرا إلى أن البرنامج لا يقدم، بحسب تقييمه، منظومة متكاملة لمؤشرات الأداء والتقييم، ولا يحدد بشكل منهجي الوضعيات المرجعية والأهداف المرحلية والآجال الزمنية التي تسمح بقياس التقدم الفعلي.

 

كما سجل عكاشة ملاحظات بشأن هندسة الحكومة، معتبرا أنها قامت على منطق المحاصصة والتوافقات على حساب وضوح الاختيارات السياسية وشروط الكفاءة والنجاعة، فضلا عن ضعف تمثيلية النساء وعدم تفعيل مبدأ المناصفة في التركيبة الحكومية، إذ لا يتجاوز عدد الوزيرات، وفق الأرقام التي أوردها، ست وزيرات، بنسبة لا تتعدى 18 في المائة.

 

وانتقد أيضا ما وصفه بهيمنة الحزب المتصدر للانتخابات على التركيبة الحكومية ومضمون البرنامج، على حساب برامج ووعود باقي مكونات الأغلبية، معتبرا أن إعداد البرنامج جرى على عجل تحت ضغط الإكراهات الزمنية، وهو ما انعكس، بحسبه، على وضوح التصور السياسي وواقعية الالتزامات.

 

وفي ما يتعلق بالوعود الانتخابية، أثار عكاشة مسألة عدم تضمين البرنامج الحكومي، بالشكل الذي كان منتظرا، بعض التعهدات التي سبق أن أعلنها الحزب الذي يقود الحكومة، متسائلا عن مآل الوعد بخفض الضريبة على الدخل من 37 إلى 20 في المائة، وعن تعهدات رفع الحد الأدنى للأجور إلى خمسة آلاف درهم.

 

كما توقف عند تأجيل بعض الأهداف إلى نهاية الولاية الحكومية سنة 2031، مستحضرا رفع الدعم العمومي المباشر إلى ألف درهم، ومعتبرا أن ربط مثل هذه الالتزامات بنهاية الولاية يطرح أسئلة بشأن آجال التنفيذ ومدى جدية التعهدات، في غياب مؤشرات مرحلية واضحة تسمح بتتبع التقدم المحرز.

 

وسجل المتحدث، في السياق ذاته، وجود فجوة بين الطموح السياسي والقدرة الفعلية على الإنجاز، داعيا إلى توضيح كيفية تعبئة الموارد وتحسين نجاعة الإنفاق وترشيد البرامج وضمان استدامة الإصلاحات، كما أثار مسألة الالتزام برفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى 12 مليار درهم سنويا ابتداء من سنة 2027، متسائلا عن الضمانات التي تكفل تنفيذ هذا التعهد.

 

وفي محور محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، رحب عكاشة بالتزامات الحكومة المعلنة، وفي مقدمتها تجريم الإثراء غير المشروع، لكنه سجل ما اعتبره تناقضا بين ما ورد في التصريح الحكومي وما تضمنته وثيقة البرنامج، مشيرا إلى أنه لم يعثر على التنصيص الذي كان ينتظره بشأن هذه المسألة في الصفحة الثلاثين من الوثيقة.

 

وانتقد أيضا عدم تخصيص محور مستقل للجهوية المتقدمة، معتبرا أن إدراجها ضمن محور دولة الحق والقانون والمؤسسات لا يعكس أهميتها الاستراتيجية في إعادة تنظيم الدولة على المستويات الترابية والمجالية والتدبيرية، وربطها بالتنمية المندمجة والعدالة المجالية.

 

كما سجل غياب تصور سياسي واضح ومتكامل بشأن اللاتمركز الإداري، معتبرا أن تناوله في البرنامج الحكومي ظل سطحيا ولا يرقى إلى مستوى أهميته في تحديث الدولة وإصلاح الإدارة العمومية.

 

وعلى مستوى السياسات الاجتماعية، اعتبر رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار أن البرنامج الحكومي لم يمنح الشباب المكانة التي يستحقونها، رغم الالتزامات السابقة المتعلقة بإعداد سياسة وطنية مندمجة لهذه الفئة، كما انتقد اختفاء هدف إحداث مليون منصب شغل صاف وخفض معدل البطالة إلى سبعة في المائة في أفق 2031 من البرنامج الحكومي، وفق المقارنة التي قدمها بين الوعود الانتخابية والتعهدات الحكومية.

 

وأوضح أن البرنامج عوض هذه الأهداف ببرامج للتكوين والتجربة المهنية من دون التزام محدد بإحداث فرص شغل صافية، مشددا على أن التكوين لا يعادل التشغيل، وأن عدد المستفيدين من البرامج لا يعوض الالتزام بإحداث مناصب شغل فعلية ولائقة.

 

ووسع عكاشة انتقاداته لتشمل ما اعتبره قضايا غائبة أو غير معالجة بما يكفي في البرنامج الحكومي، من بينها مغاربة العالم، والأشخاص في وضعية إعاقة، والاقتصاد غير المهيكل، وتدبير الأزمات والكوارث، واقتصاد الرعاية، والسياسات الموجهة للمناطق الجبلية.

 

وفي هذا الإطار، استحضر تحويلات مغاربة العالم التي بلغت، وفق الأرقام الواردة في مداخلته، 122 مليار درهم سنة 2025، داعيا إلى إيلاء هذه الفئة اهتماما يتناسب مع دورها الاقتصادي والاستراتيجي، كما أشار إلى معطيات بشأن الأشخاص في وضعية إعاقة والاقتصاد غير المهيكل، معتبرا أن هذه المجالات تحتاج إلى سياسات متكاملة تستجيب لحجم التحديات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بها.

 

وانتقد كذلك غياب تصور وطني واضح لاستباق الأزمات الدولية والطبيعية وتدبير مخاطرها، معتبرا أن مواجهة الزلازل والفيضانات والجفاف واضطرابات سلاسل التوريد تستدعي منظومة متكاملة للوقاية والإنذار المبكر، بدل الاقتصار على التدخل بعد وقوع الأزمات.

 

وفي ختام مداخلته، عاد عكاشة إلى المقارنة بين الشعار الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة ومضمون البرنامج الحكومي، ملخصا موقف فريقه بالقول إن الذين تحدثوا عن تغيير المسار اختاروا الاستمرار، وإن الذين غيروا الشعار احتفظوا بالمسار، وإن نصف الوجوه تغيرت بينما استمرت التوجهات نفسها.

 

وأكد أن فريق التجمع الوطني للأحرار سيصوت ضد منح الثقة للحكومة، مستندا إلى ما سجله من ملاحظات بشأن محدودية النفس السياسي للبرنامج، والارتباك في تنزيل بعض الترتيبات الدستورية، وغموض الضمانات المرتبطة بتنفيذ الالتزامات، فضلا عن ما اعتبره قصورا في استيعاب التحولات الدولية والاجتماعية والمجالية.

 

وأكد عكاشة على أن موقف حزبه لا ينطلق من الرغبة في فشل الحكومة، قائلا: “نحن لا ننتظر فشل الحكومة، بقدر ما نخاف أن يدفع المغاربة ثمن الحكومة”.

أضف تعليق

 

فيديوهات المغرب بريس