شوقي يسائل لقجع عن 61 مليار درهم إضافية من الضرائب: “أين تذهب أموال المغاربة؟”

انتقد النائب البرلماني سمير شوقي، عن فريق العدالة والتنمية، محدودية الزيادة في نفقات الاستثمار مقارنة بالارتفاع الكبير المرتقب في المداخيل الجبائية، متسائلا عن مصير 61 مليار درهم إضافية ستجنيها الدولة سنة 2027، وعن مدى قدرة مشروع قانون المالية على ترجمة الوعود الحكومية إلى نمو اقتصادي وفرص شغل دائمة وتحسن ملموس في القدرة الشرائية، وذلك خلال اجتماع لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، اليوم الخميس، المخصص لمناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027.

واستند شوقي في مداخلته إلى الأرقام الواردة في المشروع، مشيرا إلى أن المداخيل الجبائية سترتفع من 376.08 مليار درهم سنة 2026 إلى 437.40 مليار درهم سنة 2027، بزيادة تبلغ 61.32 مليار درهم، أي بنسبة 16.3 في المائة، في حين لن تتجاوز الزيادة في اعتمادات الأداء المخصصة للاستثمار 1.41 في المائة، منتقلة من 136.11 مليار درهم إلى 138.03 مليار درهم.

واعتبر البرلماني أن هذه الأرقام تطرح سؤالا جوهريا بشأن طبيعة الأولويات الاقتصادية للحكومة، متسائلا عن كيفية الانتقال إلى اقتصاد قوي ومنتج في ظل محدودية نمو الاستثمار المبرمج، رغم الزيادة الكبيرة في الموارد الجبائية. كما طالب الحكومة بتقديم جدول موحد يوضح حجم الاستثمار العمومي الفعلي، وما نُفذ منه وما يتوقع إنجازه، مع تفادي ازدواجية احتساب الاعتمادات والتحويلات.

ولم يقتصر انتقاد شوقي على الأرقام المالية، بل امتد إلى الفجوة التي اعتبرها قائمة بين طموح البرنامج الحكومي والفرضيات التي بني عليها مشروع قانون المالية. فبينما يستهدف البرنامج الحكومي تحقيق متوسط نمو سنوي يبلغ 5 في المائة خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2031، يتوقع المشروع تسجيل نمو في حدود 3.7 في المائة خلال سنة 2027، وهو ما دفعه إلى التساؤل عن القطاعات التي ستقود التسارع الاقتصادي المرتقب، وحجم مساهمة الصناعة والفلاحة والخدمات ذات القيمة المضافة في تحقيق هذا الهدف.

وقال شوقي إن مشروع قانون المالية ينبغي أن يقاس بمدى قدرته على تشجيع الإنتاج، وخلق مناصب شغل دائمة، وتوزيع ثمار النمو بشكل عادل، محذرا من الاكتفاء بتحسين القدرة الشرائية عبر التحويلات والإعفاءات الضريبية، دون معالجة الاختلالات التي تحد من قدرة الاقتصاد على إنتاج فرص الشغل، وتفاقم الغلاء، وتضعف تنافسية المقاولات الصغيرة والمتوسطة.

وفي هذا السياق، دعا إلى التفكير في إحداث بنك استثماري وطني عمومي لمواجهة صعوبات التمويل التي تعانيها المقاولات الصغيرة والمتوسطة، معتبرا أن برامج التحفيز والشراكات مع القطاع البنكي التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة لم تحقق النتائج المنتظرة على مدى ربع قرن.

كما أثار مسألة ارتفاع فوائد الدين إلى 45.94 مليار درهم سنة 2027، مقارنة بـ44.05 مليار درهم سنة 2026، مطالبا بتوضيح العلاقة بين كلفة خدمة الدين وحجم الموارد التي تخصصها الدولة للاستثمار المنتج، محذرا من أن ارتفاع الميزانية لا يشكل في حد ذاته مؤشرا على التنمية، ما لم ينعكس على الإنتاجية والتشغيل وجودة الخدمات وتقليص التبعية الاقتصادية.

وتوقف شوقي عند الغلاف المالي الذي خصصته الحكومة لتنزيل التزامات برنامجها، والمقدر بـ62 مليار درهم، مشيرا إلى أن الجدول المعروض يتضمن 25 مليار درهم لبرامج التنمية الترابية المندمجة، و5.5 مليارات درهم لمراجعة الضريبة على الدخل، و2.8 مليار درهم لمجانية فاتورة الكهرباء للأسر المعنية، و3.3 مليارات درهم للرفع التدريجي من الحد الأدنى للمعاشات، و7.3 مليارات درهم لمعاشات الأرامل، وثلاثة مليارات درهم لرفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر.

ويشمل التوزيع نفسه ستة مليارات درهم لإدماج الشباب، ومليار درهم لأسواق الجملة ووحدات التبريد، وثلاثة مليارات إضافية للصحة، و5.3 مليارات درهم إضافية للتربية والتعليم العالي والتكوين.

وسجل البرلماني أن مجموع البنود المعروضة يبلغ 62.2 مليار درهم، وليس 62 مليار درهم بالضبط، وإن كان الفرق قد يرتبط بالتقريب، معتبرا أن الإشكال الأهم يتعلق بضرورة التمييز بين النفقات الجديدة والاعتمادات المعاد تجميعها، والتكلفة الجبائية للإجراءات، والالتزامات متعددة السنوات، حتى لا يبدو المجهود المالي أكبر من الزيادة الحقيقية في الإنفاق.

كما طرح أسئلة بشأن كيفية توزيع 25 مليار درهم المخصصة للتنمية الترابية المندمجة بين الجهات والأقاليم، والمعايير المعتمدة لتحديد المستفيدين، ومدى ارتباطها بمؤشرات الفقر والبطالة والعزلة والخصاص في الخدمات الصحية والتعليمية. وحذر من أن تسريع إنجاز المشاريع لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإضعاف الرقابة أو تجاوز دور المجالس المنتخبة في تحديد الأولويات الترابية.

وفي ملف التشغيل، وضع شوقي التعهد الحكومي بإحداث مليون منصب شغل خلال الولاية أمام اختبار المحاسبة السنوية، متسائلا عن عدد المناصب الصافية التي ستحدث فعليا سنة 2027، مقابل ستة مليارات درهم المخصصة لإدماج الشباب، وعن كيفية التمييز بين المستفيدين من التكوين والمواكبة والتدريب المؤقت، والأشخاص الذين يحصلون على عمل مستقر ومصرح به لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

واعتبر أن احتساب مناصب الشغل ينبغي أن يستند إلى معايير واضحة، تشمل إنتاج الدخل والحماية الاجتماعية والحد الأدنى من الاستقرار، محذرا من تضخيم الحصيلة الحكومية عبر الخلط بين مختلف أشكال الاستفادة من البرامج العمومية.

كما أثار إشكالية احتساب 360 ألف منصب شغل مرتبط بتنظيم كأس العالم 2030 والأنشطة المواكبة له، متسائلا عما إذا كانت هذه المناصب دائمة أم مؤقتة، وما إذا كانت ستقتصر على فترة الأشغال والبناء أم ستستمر بعد انتهاء التظاهرة. وطالب الحكومة بإعداد لوحة قيادة سنوية تحدد لكل قطاع عدد مناصب الشغل الصافية المستهدفة وطبيعتها وكلفتها والجهة المسؤولة عن تحقيقها، مع نشر المعطيات دوريا.

وفي ما يتعلق بالقدرة الشرائية، طالب شوقي بتوضيح كيفية تطبيق الإصلاح المرتبط بالضريبة على الدخل، ولا سيما العلاقة بين رفع الحد السنوي المعفى إلى 60 ألف درهم والتصريحات المتعلقة بإعفاء الأجور الشهرية التي تقل عن 10 آلاف درهم. كما دعا إلى الكشف عن التوزيع الفعلي لمكاسب الإصلاح بين شرائح الدخل، والتمييز بين المستفيدين من الإعفاء الكامل والأجراء الذين سيستفيدون من تخفيض جزئي.

واعتبر أن تخفيف الضريبة على الأجور لا يمكن فصله عن سياسة الأسعار والمنافسة، مشيرا إلى أن الأجير قد يستفيد من تخفيض ضريبي، لكنه يفقد أثره بسبب ارتفاع تكاليف الغذاء والنقل والكراء. وفي هذا الإطار، تساءل عن مدى قدرة المليار درهم المخصص لأسواق الجملة ووحدات التبريد على خفض أسعار المواد الغذائية، مطالبا بتحديد الأثر المنتظر على الفارق بين السعر عند المنتج والسعر الذي يؤديه المستهلك.

ووجه شوقي انتقادات أيضا إلى الفرضيات الاقتصادية التي بني عليها المشروع، خاصة اعتماد سعر 75 دولارا لبرميل النفط، ومحصول حبوب في حدود 70 مليون قنطار، ومعدل تضخم يبلغ 1.5 في المائة، في ظل المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسواق الدولية والطاقة والمناخ. وطالب الحكومة بتقديم سيناريوهات بديلة، متفائلة ومرجعية وضاغطة، توضح انعكاس تغير أسعار النفط وغاز البوتان وتراجع الإنتاج الفلاحي على النمو والتضخم والعجز والمديونية ونفقات المقاصة.

كما تساءل عن مدى واقعية الاعتماد على مساهمة مالية بقيمة ستة مليارات درهم من المكتب الشريف للفوسفاط، في ضوء المعطيات المتعلقة بنتائجه المالية خلال سنة 2026، مطالبا بتوضيح الأساس الذي بنيت عليه هذه الفرضية.

وفي محور العدالة الجبائية، دعا البرلماني إلى إخضاع الإعفاءات الضريبية والجمركية لتقييم دقيق يحدد كلفتها والمستفيدين منها ومدى انعكاسها على الأسعار والاستثمار والتشغيل. وتوقف خصوصا عند الإعفاءات المرتبطة باستيراد الماشية واللحوم، والتخفيضات الجمركية على مدخلات إنتاج الأعلاف، والامتيازات الممنوحة في إطار الاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030.

وشدد على أن تخفيض الضرائب والرسوم لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض الأسعار، خصوصا عندما تكون المنافسة ضعيفة أو تتركز حلقات الاستيراد والتوزيع لدى عدد محدود من الفاعلين، مطالبا بربط استمرار الامتيازات بنتائج قابلة للقياس، وضمان انتقال المنافع إلى المستهلكين والمنتجين، بدل تحولها إلى مكاسب إضافية للمستوردين والوسطاء.

وفي المقابل، اعتبر أن رفع الضريبة على الشركات العاملة في استيراد وتوزيع المحروقات، التي تبلغ أرباحها الصافية 100 مليون درهم أو أكثر، من 35 إلى 40 في المائة، يستحق النقاش من زاوية العدالة الضريبية، لكنه طالب بتوضيح العائد الإضافي المنتظر وعدد الشركات المعنية، والضمانات التي تحول دون نقل العبء الضريبي إلى المستهلكين عبر الأسعار.

كما طالب بتقديم مؤشرات عملية لقياس أثر الزيادة في ميزانيتي الصحة والتعليم، اللتين أشار إلى بلوغهما 45.5 مليار درهم و121 مليار درهم على التوالي، متسائلا عن عدد الأطر الصحية التي ستوظف، ومدى تقليص آجال العلاج، وتحسين جودة التعلمات، والحد من الهدر المدرسي والاكتظاظ، وتأهيل المؤسسات التعليمية.

وفي الشق المتعلق بالتوازنات المالية، دعا شوقي إلى عدم التعامل مع خفض عجز الميزانية إلى حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وتراجع نسبة المديونية من 67.5 إلى 66.9 في المائة، باعتبارهما غاية في حد ذاتهما، مطالبا بالكشف عن تطور حجم الدين بالدرهم وكلفة فوائده وجدول استحقاقاته، والتمييز بين الاقتراض الموجه للاستثمار المنتج والاقتراض المخصص لتغطية النفقات الجارية.

ودعا النائب البرلماني إلى ترجمة تعهدات الحكومة بمحاربة الريع والاحتكار وتضارب المصالح إلى إجراءات تشريعية وتنظيمية قابلة للمحاسبة، معلنا أن فريق العدالة والتنمية تقدم بأربعة مقترحات قوانين تتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع، والوقاية من تنازع المصالح وتجريم تسريب المعلومات المتميزة للحصول على المنافع والامتيازات، وحماية الموظفين العموميين المبلغين عن الفساد، وتوحيد وتحيين التشريع المتعلق بالتصريح الإجباري بالممتلكات.

واعتبر شوقي أن المعيار الحقيقي لتقييم مشروع قانون المالية لن يكون حجم الاعتمادات التي ستصرفها الحكومة، وإنما مدى انعكاسها على حياة المواطنين، من خلال خفض البطالة وتحسين القدرة الشرائية والخدمات الصحية والتعليمية وتقليص الفوارق المجالية، مؤكدا أن المطلوب هو ميزانية تربط الأموال المرصودة بنتائج محددة وآجال معلنة ومسؤوليات قابلة للمحاسبة، لأن المال العام أمانة، والوعود السياسية مسؤولية، والنجاح يقاس بالنتائج لا بالنوايا.

أضف تعليق

 

فيديوهات المغرب بريس