يومان على نهاية الحملة الانتخابية.. “المرقة” و”الزرقة” و”الطبالة والغياطة”

لم يتبقَّ سوى نحو 48 ساعة على نهاية الحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية، وهي مدة كانت كافية لإعطاء صورة واضحة عن طبيعة الممارسة الانتخابية لدى جزء كبير من النخبة السياسية، وعن استمرار أساليب في إدارة الحملات تبدو أقرب إلى منطق “الموسم” منها إلى التنافس حول البرامج والأفكار.

خلال الأيام الماضية، شاهدنا حشوداً تنقل من مناطق مختلفة على متن “الرموكات” و”السطافيطات” لحضور تجمعات عدد من الأحزاب الكبرى، من الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية، وحتى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مشهد يعيد إنتاج واحدة من أكثر صور الحملات الانتخابية تقليدية، حيث يصبح حجم الحشد وطريقة تنظيمه جزءاً من استعراض القوة الانتخابية.

يبدو أن الحملات الانتخابية لم تتغير كثيراً، تجمعات ضخمة تستنزف ميزانيات كبيرة، وقيادات حزبية تتحرك بين المدن والدوائر، وإمكانيات لوجستيكية هائلة توضع في خدمة الحملة، وفي مقابل هذا المشهد، ظهر جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد والقيادي في تحالف اليسار، وهو يتنقل بين عدد من التجمعات الانتخابية بسيارته، في صورة تختصر إلى حد كبير الفرق في الإمكانيات وفي طريقة تصور الحملة نفسها.

كان يفترض أن تفرض الوسائط الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، في انتخابات 2026، تحولاً واضحاً في طريقة مخاطبة الناخبين، كان يمكن أن تنتقل المنافسة أكثر نحو الأفكار والبرامج، وأن تصبح العلاقة بين المرشح والناخب أقل ارتباطاً بالحشد والولائم والاستعراضات الانتخابية، لكن ما ظهر خلال هذه الحملة يؤكد أن التكنولوجيا غيرت أدوات التواصل أكثر مما غيرت جوهر الممارسة الانتخابية.

في عدد من المناطق، خصوصاً في البوادي، ما زال الناخب يُستقطب بالطرق التقليدية نفسها، “قصعة المضهوصة”، و”الزرود”، و”اللحم بالبرقوق”، وغيرها من مظاهر الولائم التي أصبحت جزءاً من طقوس انتخابية تتكرر كل خمس سنوات، وتحولت بعض التجمعات إلى ما يشبه المواسم، بما تحمله الكلمة من دلالات اجتماعية وفرجوية، حتى صار حضور الفنانين فوق المنصات الانتخابية جزءاً من المشهد، كما وقع في العيون، حين غنت الفنانة هدى سعد أغنيتها “بغيتو ولا كرهتو” خلال تجمع انتخابي لحمدي ولد الرشيد.

وظهرت حملات انتخابية بإمكانيات ضخمة، مطبوعات، أعلام، صور، سيارات، تجهيزات ومواد دعائية بكميات كبيرة، يصل بعضها إلى الشوارع والأزقة بعد انتهاء التجمعات، وفي المقابل، يخوض مرشحون من أحزاب محدودة الإمكانيات الأيام الأخيرة للحملة وهم عاجزون أحياناً حتى عن توفير المواد الانتخابية الأساسية.

وهنا تطرح مسألة المال نفسها بقوة، فالفارق في الموارد ينعكس على حجم الحضور في التجمعات، وأيضاً يؤثر في قدرة المرشح على الوصول إلى الناخب، وعلى مستوى الحضور في الفضاء العام، وعلى الصورة التي تقدمها الحملة للناخبمما يؤثر على تكافؤ الفرص في المنافسة الانتخابية.

وسط هذا المشهد، تقدم حملات “تحالف اليسار” في عدد من الدوائر صورة مختلفة، حضور الشباب واضح، والنساء موجودات في واجهة عدد من اللوائح والحملات، والخطاب يركز بدرجة أكبر على الأفكار والبرامج والقضايا السياسية والاجتماعية.

لا “طبالة ولا غياطة”، وإنما نقاش حول شكل الدولة والمؤسسات، والملكية البرلمانية، والعدالة الجبائية وفرض الضرائب على الأغنياء، والسياسات الاجتماعية، وغيرها من القضايا التي يفترض أن تشكل جوهر التنافس الانتخابي.

قد تبدو هذه الحملات محدودة من حيث الإمكانيات مقارنة بحملات أخرى، لكنها تحاول أن تعيد للحملة الانتخابية شيئاً من معناها السياسي، أن تكون مناسبة للنقاش العمومي، ولتقديم البدائل، ولإقناع الناخب بالأفكار والبرامج، عوض اختزالها في حجم الحشود وكمية الطعام وقوة المنصة الانتخابية.

المفارقة أن المغرب يدخل انتخابات 2026 بعد سنوات طويلة من التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، بينما ما زالت بعض الممارسات الانتخابية عالقة في زمن مختلف، الناخب تغير، وسائل التواصل تغيرت، وانتظارات الأجيال الجديدة تغيرت، فيما ظلت أجزاء من المشهد الانتخابي وفية لطقوسها القديمة.

إن “تحالف اليسار”، بإمكانياته المحدودة، يحاول على الأقل أن يخوض المعركة من هذه الزاوية، وأن يمنح للحملة معنى سياسياً وديمقراطياً، حتى لا تتحول كل خمس سنوات إلى “موسم” انتخابي ينتهي بانتهاء يوم الاقتراع، بينما تستمر الوجوه نفسها في إدارة المشهد والحكومات لسنوات طويلة.

أضف تعليق

 

فيديوهات المغرب بريس