تكشف المذكرة الإخبارية للمندوبية السامية للتخطيط حول وضعية سوق الشغل بالمغرب خلال الفصل الأول من سنة 2026 عن واقع مركب يتجاوز بكثير الأرقام الرسمية للبطالة، ويطرح تساؤلات حول مدى كفاية المؤشرات التقليدية في عكس حقيقة الاختلالات التي يعرفها سوق العمل.
ففي الوقت الذي استقر فيه معدل البطالة بالمفهوم الضيق عند 10,8 في المائة، وهو المؤشر المعتمد رسمياً، بلغ عدد العاطلين حوالي مليون و253 ألف شخص، وفق تعريف يقتصر على الباحثين النشيطين عن الشغل والمستعدين للالتحاق به.
غير أن هذه النسبة لا تعكس سوى جزء من الصورة، إذ تشير المعطيات إلى وجود 671 ألف شخص في وضعية شغل ناقص، أي أنهم يشتغلون لساعات أقل مما يرغبون فيه، في وقت يبلغ فيه عدد الأشخاص المنتمين إلى “القوة العاملة المحتملة” نحو 884 ألف شخص، وهم أفراد خارج سوق الشغل لكنهم مستعدون للعمل أو يرغبون فيه دون أن يكونوا في وضعية بحث نشط.
وباعتماد هذه المقاربة الموسعة، يرتفع المعدل المركب الذي يجمع بين البطالة والشغل الناقص إلى 16,6 في المائة، بينما يصل إلى 17,1 في المائة عند إدماج القوة العاملة المحتملة، في حين يبلغ المؤشر الأشمل، المتعلق بالاستخدام غير الكامل للقوى العاملة، 22,5 في المائة، ما يعني أن أكثر من خُمس النشيطين يعيشون وضعية هشاشة مهنية.
شباب في قلب الأزمة
تظهر المعطيات أن فئة الشباب تبقى الأكثر تضرراً، حيث يصل معدل البطالة لدى الأشخاص المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة إلى 29,2 في المائة، بينما يقف مؤشر الاستخدام غير الكامل للقوى العاملة لدى هذه الفئة عند حوالي 45,3 في المائة، وهو ما يعكس صعوبة الولوج إلى فرص الشغل واستقرارها.
فجوة جندرية عميقة
كما تكشف الأرقام عن اختلال واضح بين الرجال والنساء، سواء من حيث الولوج إلى سوق الشغل أو من حيث التعرض للبطالة والهشاشة.
فمعدل البطالة لدى النساء يبلغ 16,1 في المائة مقابل 9,4 في المائة لدى الرجال، في حين لا تتجاوز نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل 17,5 في المائة، مقابل 66,4 في المائة لدى الرجال، ما يعكس استمرار ضعف الإدماج الاقتصادي للنساء.
مدن أكثر تضرراً
على المستوى المجالي، تسجل البطالة مستويات أعلى في الوسط الحضري، حيث تبلغ 13,5 في المائة، مقابل 6,1 في المائة في الوسط القروي، ما يعكس طبيعة الضغط على سوق الشغل في المدن، المرتبط أساساً بارتفاع الطلب على فرص العمل.
كما تظهر الفوارق الجهوية بشكل واضح، حيث تسجل أعلى معدلات البطالة في جهة العيون الساقية الحمراء (20,3 في المائة)، متبوعة بالجهة الشرقية (14,9 في المائة) وكلميم-واد نون (14,8 في المائة)، في حين تبقى أدنى المعدلات في جهة الداخلة وادي الذهب (5,7 في المائة).
اقتصاد الخدمات يهيمن
من جهة أخرى، يظل قطاع الخدمات المشغل الرئيسي، إذ يستقطب حوالي 49,1 في المائة من مجموع المشتغلين، متبوعاً بقطاع الفلاحة والغابات والصيد بنسبة 24,5 في المائة، ثم الصناعة والبناء، وهو ما يعكس بنية اقتصادية لا تزال مرتبطة بقطاعات ذات إنتاجية متفاوتة.
مؤشرات جديدة.. وقراءة مختلفة
وتؤكد هذه المعطيات أن الانتقال إلى “بحث القوى العاملة” بصيغته الجديدة لم يعد يكتفي بقياس البطالة كمؤشر وحيد، بل يعتمد منظومة متعددة الأبعاد تأخذ بعين الاعتبار مختلف أشكال الهشاشة في سوق الشغل، من بطالة وشغل ناقص وقوة عاملة محتملة.
وبينما تضع الأرقام الرسمية البطالة في حدود 10,8 في المائة، تكشف المؤشرات الموسعة عن واقع أكثر تعقيداً، حيث تتداخل أشكال متعددة من الهشاشة، ما يطرح تحدي الانتقال من سياسات تستهدف خفض البطالة فقط، إلى مقاربة أشمل تعالج جودة الشغل واستقراره.








