أصدر الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية دورية توضح أبرز مستجدات قانون المسطرة المدنية الجديد، الذي حمل إصلاحات واسعة تستهدف تحديث إجراءات التقاضي، وتسريع الفصل في المنازعات، وتعزيز الأمن القانوني واستقرار الأحكام، من خلال اعتماد الرقمنة، وترشيد الآجال، وإعادة تنظيم مختلف طرق الطعن.
ومن أبرز المستجدات التي جاء بها القانون تعزيز منظومة التبليغ القضائي، عبر إقرار إمكانية التبليغ بمكتب المحامي بموافقته، وإضفاء الحجية على التبليغ المنجز في الموطن المختار، مع تحديد البيانات الإلزامية لشهادة التسليم، بما يضمن سلامة إجراءات التبليغ والحد من المنازعات المرتبطة بها. كما اعتمد القانون التبليغ الإلكتروني بإحداث حسابات مهنية خاصة بالمحامين والموثقين والعدول والمفوضين القضائيين والخبراء القضائيين والتراجمة المحلفين، مع إلزام أشخاص القانون العام بالتصريح بعناوينهم الإلكترونية، وتمكين أشخاص القانون الخاص من اختيار هذا النمط من التبليغ، فضلاً عن اعتماد منصة إلكترونية لتوجيه الاستدعاءات والمقررات وإصدار إشعارات التوصل.
وفي إطار ترشيد الزمن القضائي، وضع القانون آجالاً دقيقة لمختلف الإجراءات، من بينها تحديد آجال قصيرة للبت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي، وإلزام المستشار المقرر بمحكمة الاستئناف بتجهيز الملف داخل أجل لا يتجاوز 90 يوماً، مع تقليص آجال إحالة ملفات الاستئناف والطعن بالنقض، والتأكيد على عدم اللجوء إلى إجراءات التحقيق إلا إذا كانت ضرورية ومجدية، بما يحد من التأخير ويعزز سرعة البت في القضايا.
وأعاد القانون تنظيم منظومة الطعون بشكل شامل، حيث رفع أجل الطعن بالتعرض من 10 إلى 15 يوماً، وأدخل نظام الاستئناف الفرعي والاستئناف المثار، وأجاز تقديم مقالات الاستئناف عبر أي صندوق من صناديق المحاكم بالمملكة، كما رسخ قاعدة عدم الإضرار بالطاعن بطعنه، وحدد آجالاً جديدة لتعرض الغير الخارج عن الخصومة وإعادة النظر، مع إلغاء بعض الشروط الشكلية التي كانت تعيق ممارسة هذه الطعون، وإقرار إمكانية وقف التنفيذ في حالات محددة متى توفرت أسباب جدية.
وفي ما يتعلق بمحكمة النقض، وسع القانون اختصاصها في عدد من المجالات، وحدد قيمة الطلبات التي تقبل الطعن بالنقض، كما أتاح إيداع مقالات الطعن إلكترونياً، وخول المحكمة صلاحية التصدي للبت في القضية في حالات معينة بدلاً من إعادتها إلى محاكم الموضوع، فضلاً عن إحداث آلية جديدة لتوحيد الاجتهاد القضائي، تجعل التفسير الصادر عن محكمة النقض ملزماً لباقي المحاكم إلى حين العدول عنه أو تعديل النص التشريعي.
كما استحدث القانون مسطرة جديدة لإلغاء الأحكام الابتدائية النهائية أمام رئيس المحكمة الابتدائية في حالات استثنائية محددة، مثل خرق قواعد الاختصاص أو عدم التحقق من التبليغ أو وجود تناقض في الحكم أو وقوع تدليس أثناء إجراءات الدعوى، باعتبارها آلية رقابية محدودة لا ترقى إلى درجة فتح طريق جديد للطعن خارج ما رسمه القانون.
وفي مجال القضاء الاستعجالي، عزز القانون اختصاص رؤساء المحاكم والأقسام المتخصصة، وأكد على ضرورة توافر عنصر الاستعجال وعدم المساس بجوهر النزاع، مع منح القضاء الاستعجالي صلاحيات لاتخاذ التدابير التحفظية ودرء الضرر الحال، وإمكانية البت في بعض الحالات دون استدعاء المدعى عليه عند وجود استعجال قصوى، فضلاً عن تنظيم آجال الطعن في الأوامر الاستعجالية وإجراءات إيقاف التنفيذ في حالات الضرر الجسيم.
وتخلص الدورية إلى أن قانون المسطرة المدنية الجديد يشكل محطة إصلاحية بارزة في مسار تحديث العدالة المغربية، من خلال إرساء قواعد جديدة للتقاضي الرقمي، وترشيد الزمن القضائي، وإعادة هيكلة منظومة الطعون، بما يهدف إلى رفع النجاعة القضائية، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الثقة في مرفق العدالة وضمان سرعة وفعالية حماية الحقوق.








