من طرائف سماسرة الانتخابات.. لمن تهتف الشيخات هذه الليلة؟

في موسم الانتخابات، لا ترتفع حرارة الخطابات وحدها، بل تنتعش أيضا سوق موازية لا تظهر في نشرات الاقتصاد، ولا ترصد مؤشراتها المندوبية السامية للتخطيط. سوق لها سماسرتها ووسطاؤها، ولها أسهمها التي ترتفع قيمتها كلما اقترب موعد الاقتراع، قبل أن تنهار أسعارها طوال السنوات الخمس الموالية.

أما الأسهم في هذه البورصة، فليست سوى أصوات المواطنين.

بطل حكايتنا وكيل لائحة شاب، لم تمض أيام كثيرة على إعلان ترشحه حتى رن هاتفه. على الطرف الآخر، كانت سيدة تتحدث بثقة من يمتلك مفاتيح الدائرة الانتخابية، أو على الأقل جزءا معتبرا منها.

أبلغته، من دون مقدمات كثيرة، أنها تتوفر على عدد كبير من الأصوات، وأنها مستعدة للتحدث مع أصحابها وحشدهم لفائدته. كانت تتحدث عن أصوات الناخبين كما لو أنها محفوظة داخل “بزطامها”، يكفي أن يدفع المرشح الثمن حتى تخرج منها، واحدة تلو الأخرى، وتتجه من دون تردد نحو صناديق الاقتراع.

هذه السيدة واحدة من سماسرة الانتخابات الذين لا يظهرون فجأة خلال الحملة، بل يشتغلون على مدار السنة. يجمعون نسخ البطائق الوطنية في كل مناسبة: قفة رمضان، أضحية العيد، مخيم صيفي، مساعدة اجتماعية أو وعد بقضاء غرض إداري. يحولون المواطنين إلى رصيد انتخابي، ثم ينتظرون حلول “الموسم” لعرضه على المرشحين.

فهم أيضا، كما يحب أحد الأصدقاء أن يقول، “يجب أن يخوضوا المعركة”، لكن بطريقتهم الخاصة، ومن دون أن يهمهم لون الراية التي سيخوضونها تحتها.

عرضت السمسارة على المرشح الشاب ما يمكن أن “تكسبه” لائحته من أصوات، في محاولة لإغرائه وإقناعه بأن الطريق نحو المقعد يمر عبر هاتفها. لم يجادلها كثيرا، واكتفى بالقول: “مرحبا”، وهي الكلمة المغربية التي نستعملها أحيانا عندما يفاجئنا طلب لا نجد له جوابا مناسبا.

اعتبرت السيدة تلك الـ”مرحبا” موافقة مبدئية، فانتقلت إلى الجزء الثاني من العرض. أخبرته أنها ستنظم وليمة تحضرها نساء من أحياء مختلفة داخل الدائرة، وأن اللقاء سيكون مناسبة لتقديمه إليهن وحشد الدعم لفائدته.

كانت تتحدث عن هؤلاء النساء وكأنهن تنظيم انتخابي عابر للأحياء، يمتلكن امتدادا أكبر من الاتحاد الاشتراكي قبل حكومة التناوب، وسطوة تفوق ما بلغه “البام” في عهد إلياس العماري. أكدت للمرشح أن كل شيء سيكون مرتبا، وأنها ستخبره بالتفاصيل لاحقا.

بعد أيام قليلة، عادت السمسارة إلى الاتصال به. أخبرته بأن موعد اللقاء تأكد، وأن الوليمة ستقام في صالون أحد المنازل القادر على استيعاب العدد الكبير من المدعوات. المأكل والمشرب والشيخات كله حاضر، وليس عليه سوى الوصول في الموعد.

طمأنته قائلة: “ما تضربش الحساب، غير جي، وغادي تلقى النساء كاملين فصفك”. بل أكدت له أن الحاضرات سيهتفن باسمه، وسيرفعن اسم حزبه عاليا. اتفقا على توقيت حضوره، وبدا أن الأمور كلها “في العسل”.

قبل ساعة واحدة من انطلاق اللقاء، اتصل المرشح بالسمسارة للتأكد من آخر الترتيبات. أخبرته بأن النساء بدأن يتوافدن، وأن الحضور كثيف، وأن الجميع سيهتف باسمه بعد انتهاء الوليمة.

ثم فاجأته باقتراح أكثر راحة: لا داعي لأن يتحمل عناء الحضور أصلا، فكل شيء تحت السيطرة، و”لا عين شافت لا قلب وجع”.

بعد انتهاء المكالمة، بدأ الشك يتسلل إلى المرشح. هل يثق في كلامها؟ هل هو الزبون الوحيد لهذه الصفقة، أم أن العرض نفسه يصول ويجول بين مقرات الأحزاب؟ وهل الوليمة منظمة فعلا باسمه، أم أن اسمه مجرد طبق إضافي في مأدبة انتخابية متعددة الزبناء؟

خطرت بباله فكرة بسيطة. اتصل بسيدة يعرفها، تقطن الحي نفسه، وطلب منها أن تحضر الوليمة وتخبره بما يجري. لم ترفض الطلب.

وصلت مبعوثته إلى المنزل، فوجدت النساء جالسات والشيخات حاضرات، والأجواء الاحتفالية في أوجها. استمرت الوليمة ساعات، فيما كانت السيدة تلتقط بين الفينة والأخرى مقاطع قصيرة وترسلها إلى المرشح، الذي كان يتابع الحفل عن بعد، منتظرا أن يعرف لمن سترسو المناقصة.

وبعد المأكل والمشرب والغناء، حانت لحظة الخطبة المنتظرة.

وقفت السمسارة وسط الحاضرات، لكنها لم تهتف باسم المرشح الشاب، ولم ترفع اسم حزبه عاليا كما وعدته. دعت النساء، بكل حماس وثقة، إلى التصويت لفائدة حزب آخر منافس في الدائرة.

وصل الفيديو إلى هاتف المرشح، فانتهى الشك وظهر “جوهر المعاني” الذي لا تحجبه الظنون.

بعد لحظات، اتصلت به السمسارة لتقدم تقريرها عن نجاح المهمة. طلبت منه أن يرتاح، وأكدت أنها تحدثت إلى النساء وأخبرتهن بأنه “هو اللي كاين”، وأن أصواتهن أصبحت مضمونة لفائدته.

تركها تكمل كلامها، ثم قاطعها بهدوء قائلا:

“شوفي الواتساب”.

فتحت السمسارة التطبيق، وشاهدت الفيديو الذي يوثق دعوتها النساء إلى دعم الحزب المنافس. عم الصمت للحظات، ثم انتهت المكالمة، وانقطعت أخبارها بعد ذلك.

أما أصوات النساء، فلا أحد يعرف إلى أي حزب بيعت في النهاية، ولا كم مرة تغير سعرها خلال الليلة نفسها. ففي بورصة الانتخابات، قد يباع الصوت أكثر من مرة، وقد يكتشف المرشح متأخرا أنه لم يشتر الأصوات، بل اشترى فقط وعدا سبق أن بيع لغيره.

أضف تعليق

 

فيديوهات المغرب بريس