فجّرت مريم جمال الإدريسي، عضوة المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والكتابة الوطنية لمنظمة النساء الاتحاديات، معطيات مثيرة بشأن طريقة تدبير الترشيحات لوكالة اللائحة الجهوية للحزب بجهة الدار البيضاء-سطات، متحدثة عن مطالبة المرشحات بتحديد المبالغ المالية التي يلتزمن بالمساهمة بها في الحملة الانتخابية.
وكشفت الإدريسي، في تقرير مفصل، اطلع “الأول” على نسخة منه، وجهته إلى الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، إدريس لشكر، وأعضاء المكتب السياسي، أن لجنة البت في الترشيحات، المنعقدة يوم 20 غشت الجاري، طلبت من كل مرشحة كتابة قيمة مساهمتها المالية في ورقة مستقلة، وهو ما اعتبرته مؤشرا على تحويل التنافس حول التزكية إلى ما يشبه “مزايدة مالية” بين النساء الراغبات في قيادة اللائحة الجهوية.
وبحسب التقرير، انعقد اجتماع لجنة البت برئاسة مصطفى عجاب، وبحضور المهدي المزواري ومرشحي الحزب في الدوائر المحلية التابعة لجهة الدار البيضاء-سطات، حيث قدمت المرشحات مشاريعهن السياسية والتنظيمية والانتخابية أمام أعضاء اللجنة.
وأفادت الإدريسي بأنها عرضت أمام اللجنة تصورا متكاملا لتدبير الحملة الانتخابية، تضمن تشخيصا للواقع الانتخابي داخل دوائر الجهة، ومقترحات لدعم الدوائر القريبة من الفوز، إلى جانب آليات للتأطير القانوني والتواصلي والميداني، فضلا عن استعدادها لتسخير خبرتها المهنية والقانونية والإعلامية لفائدة الحزب.
غير أنها فوجئت، وفق روايتها، قبل دخولها إلى قاعة الاجتماع، بإفادات لعدد من المرشحات اللواتي خضعن للمقابلة قبلها، أكدن فيها أن اللجنة طلبت من كل واحدة كتابة المبلغ المالي الذي تستطيع المساهمة به في الحملة الانتخابية.
وأضافت أن رئيس اللجنة طلب منها بدورها كتابة قيمة مساهمتها المالية في ورقة مستقلة، لكنها رفضت ذلك، مؤكدة استعدادها للمساهمة في حدود استطاعتها، باعتبارها مساهمة نضالية طوعية، وليس باعتبارها “ثمنا للتزكية أو محلا لتعاقد مالي سابق على اتخاذ قرار الترشيح”.
وقالت الإدريسي في تقريرها إنها لا تقبل بأن تتحول قيمة المرشحة أو حظوظها في التزكية إلى رقم يقاس بحجم المبلغ الذي تقترحه، مشيرة إلى أنها تلقت توضيحا يفيد بأن المبالغ المقترحة ستودع في الحساب البنكي للحزب، قبل أن يتولى هذا الأخير توزيعها على الدوائر الانتخابية.
وأثار هذا التوضيح، بحسب الوثيقة، جملة من التساؤلات حول السند القانوني والتنظيمي لمطالبة المرشحات بمبالغ مالية قبل الحسم في التزكيات، وطبيعة هذه الأموال، وما إذا كانت تبرعات لفائدة الحزب أو مساهمات في تمويل الحملة الجهوية أو في حملات مرشحي الدوائر المحلية.
كما تساءلت صاحبة التقرير عن الجهة التي ستحدد طريقة توزيع الأموال، وكيفية تسجيلها محاسبيا، وما إذا كانت ستحتسب ضمن موارد الحزب أم موارد الحملة الانتخابية، ومن سيتحمل مسؤولية تبرير أوجه صرفها أمام المجلس الأعلى للحسابات.
وكشفت الإدريسي أن معطيات متداولة في محيط المرشحات تحدثت عن اقتراح مساهمات مالية تتراوح بين مليون و400 ألف درهم ومليون و600 ألف درهم، أي ما بين 140 و160 مليون سنتيم.
وسجلت، في المقابل، أنها لم تعاين شخصيا الأوراق المتضمنة لهذه الأرقام، وأنها أوردتها باعتبارها معلومات متداولة تستوجب البحث والتحقق، وليس باعتبارها وقائع ثابتة أو اتهامات نهائية.
واعتبرت أن مطالبة كل مرشحة بكتابة مبلغ مالي، دون تقديم شبكة تقييم مكتوبة أو توضيح الوزن الذي سيمنح لهذا المبلغ عند المفاضلة، من شأنها أن تضع المرشحات أمام “مزايدة صامتة”، تسعى خلالها كل واحدة إلى توقع المبلغ الذي قدمته منافساتها ورفعه لتعزيز حظوظها في الحصول على التزكية.
وحذرت عضوة المجلس الوطني من أن يؤدي هذا الأسلوب إلى الانتقال من اعتماد الكفاءة والمسار النضالي والمصداقية والحضور المجتمعي إلى اعتماد القدرة على الدفع، بما يحول آلية التمييز الإيجابي لفائدة النساء إلى “تمييز مالي بين النساء أنفسهن”.
وشددت الإدريسي على أنها لا تجزم، في غياب بحث ووثائق، بوقوع فعل مجرم أو عملية بيع للتزكية، لكنها اعتبرت أن ربط اختيار المرشحات بمبالغ مالية مكتوبة يخلق “شبهة موضوعية” تستوجب التحقيق، حماية للحزب ولأعضائه ولنـزاهة العملية الانتخابية.
وقارنت الوثيقة المبالغ المتداولة بسقف مصاريف الحملة الانتخابية التشريعية، الذي قالت إنه محدد في 600 ألف درهم لكل مترشح أو مترشحة، معتبرة أن اقتراح مبالغ تتجاوز ضعف هذا السقف يفرض توضيح طبيعتها القانونية ومصدرها ووجهتها وكيفية صرفها.
كما لفتت إلى أن مبلغ مليون و600 ألف درهم يقترب من مجموع التعويضات النيابية التقديرية خلال ولاية تشريعية كاملة، والتي قد تناهز، وفق حسابها، مليون و800 ألف درهم خلال خمس سنوات، من دون أن يعني ذلك، حسب التقرير، أن كل من تقترح مساهمة مرتفعة تسعى بالضرورة إلى استرجاعها أو تحقيق منفعة غير مشروعة.
وطالبت الإدريسي المكتب السياسي بفتح بحث داخلي عاجل ومحايد، والاستماع إلى جميع المرشحات وأعضاء اللجنة والحاضرين، مع حفظ الأوراق التي كتبت عليها المبالغ ومنع إتلافها أو تغييرها، والكشف عن الجهة التي قررت اعتماد هذا الإجراء وسنده الحزبي والتنظيمي.
كما دعت إلى التحقق من عدم وجود علاقة بين ترتيب المرشحات والمبالغ المقترحة، وتعليق أية نتيجة يكون فيها المال قد استعمل معيارا مباشرا أو غير مباشر للمفاضلة، إلى جانب الكشف عن شبكة التقييم ومحاضر اللجنة وطريقة تنقيط مشاريع المرشحات ومساراتهن.
وختمت صاحبة التقرير بالتأكيد على احتفاظها بحقها في اللجوء إلى المساطر الحزبية والقانونية والحقوقية إذا لم يفتح تحقيق جدي في الموضوع، داعية قيادة الاتحاد الاشتراكي إلى إصدار موقف واضح يؤكد أن “التزكية لا تباع ولا تشترى”، وأن المساهمة المالية الطوعية لا تمنح صاحبتها أية أفضلية في ترتيب المرشحات.








