تقرير حقوقي يدعو إلى حماية المهاجرين والقاصرين من “التمييز” في سبتة

حذّر المجلس المدني لمحاربة جميع أشكال التمييز (CCLD)، بمبادرة من معهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان، من مخاطر تصاعد المقاربة الأمنية في تدبير الوضع بمدينة سبتة ومحيطها، داعياً في المقابل إلى تعزيز حماية الأشخاص في وضعية هشاشة، واحترام حقوق القاصرين والمهاجرين وضمان عدم التمييز في التعامل معهم.

وأوضح المجلس، في تقريرها السابع منذ اندلاع أزمة الهجرة غير النظامية إلى سبتة المحتلة، الذي يغطي الفترة الممتدة من 9 إلى 13 غشت، أن السلطات الإسبانية اتخذت خلال الفترة المذكورة مجموعة من الإجراءات لتعزيز آليات الاستقبال والحماية، خصوصاً لفائدة القاصرين غير المرافقين والنساء والأطفال والأشخاص في وضعيات هشاشة، معتبراً أن هذه التدابير تمثل خطوات إيجابية، لكنها تظل غير كافية بالنظر إلى حجم الاحتياجات المسجلة على أرض الواقع.

وأشار التقرير إلى تخصيص تحويل استثنائي بقيمة 25 مليون يورو لتعزيز التكفل بالأطفال والمراهقين غير المرافقين الموجودين في سبتة، إلى جانب السماح لمركزين تعليميين بالمشاركة في عملية التكفل بهم. كما سجل رفع الطاقة الاستيعابية لمركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين (CETI) بـ72 مكاناً، وتحويل ما يقارب 6.5 ملايين يورو لتعزيز آليات المساعدة والاستقبال والرعاية الصحية، خاصة للأشخاص الموجودين بالمركز وبمراكز الإيواء المؤقت.

ودعا المجلس إلى ترجمة هذه الموارد إلى ظروف استقبال لائقة وملائمة للاحتياجات الخاصة للأشخاص المعنيين، خصوصاً الأطفال والنساء والأشخاص في وضعيات هشاشة، مشيراً في الوقت ذاته إلى استمرار وجود أشخاص في ظروف معيشية صعبة، سواء في الفضاء العام أو في أماكن أخرى، مع استمرار الحاجة إلى السكن والغذاء والعلاج والحماية الاجتماعية والقانونية.

وسجل التقرير، استناداً إلى شهادات قال إنه جمعها، وجود أشخاص مصابين رفضوا، وفق ما ورد في شهادات، نقلهم بواسطة سيارات الإسعاف إلى مستشفى سبتة خشية توقيفهم أو إعادتهم من المدينة، معتبراً أن هذه المعطيات تشكل مؤشراً مقلقاً، لأن الخوف من العواقب الإدارية لا ينبغي أن يدفع شخصاً مصاباً إلى التخلي عن العلاج الضروري.

كما أشار إلى تجمع أعداد كبيرة من الأشخاص في شاطئ “ترمبولين”، أحياناً في طوابير طويلة للاستفادة من توزيع المواد الغذائية، في ظل التعرض لفترات طويلة لدرجات حرارة مرتفعة، فضلاً عن استمرار التوتر في بعض الأحياء، من بينها “لا كولينا”، حيث عبّر بعض السكان عن قلقهم من وجود أشخاص في الشوارع.

وفي ما يتعلق بالقاصرين غير المرافقين، أعرب المجلس عن “قلق خاص” إزاء وضعيتهم، مشيراً إلى معلومات تفيد بتعرض قاصر لاعتداء داخل صالون للحلاقة، مع التشديد على أن هذه المعلومات تظل بحاجة إلى التحقق، وأنه يتعين فتح تحقيق بشأنها وضمان التكفل بالقاصر المعني.

كما عبّر التقرير عن القلق من وجود مئات المراهقين في الفضاء العام، خصوصاً بالقرب من المصالح الأمنية، داعياً إلى أن يخضع كل قاصر لعملية تحديد وتسجيل وتقييم فردي لوضعيته، بما يراعي مصلحته الفضلى، وألا يتم اللجوء إلى عمليات تشتيت أو نقل دون ضمان حمايته والتكفل به.

وبالتوازي مع إجراءات الاستقبال والحماية، رصد التقرير تعزيزاً لوسائل الأمن في سبتة، من بينها وصول وحدة من الشرطة تضم 45 عنصراً جديداً، إضافة إلى إدماج 20 عضواً من فرقة الأجانب والحدود.

وأكد المجلس أنه يأخذ علماً بهذه التعزيزات عندما تكون مرتبطة بضرورات الأمن العام وتسريع إجراءات اللجوء، لكنه شدد على ضرورة أن يواكب تعزيز الوسائل الأمنية تعزيز مماثل لآليات الحماية والاستقبال والصحة والمساعدة القانونية وحماية الطفولة.

وحذر التقرير من أن تدبير الأزمة لا يمكن أن يقوم حصرياً على المراقبة والإبعاد والإرجاع، داعياً إلى اعتماد مقاربة تضع حماية الأشخاص، خصوصاً المصابين والقاصرين وضحايا العنف المحتملين والأشخاص في وضعيات هشاشة، في صلب التدخلات.

كما توقف المجلس عند تصاعد الخطاب السياسي والإعلامي المرتبط بأزمة سبتة، مشيراً إلى المسيرة التي نظمت بالمدينة تحت شعار “Basta ya. Ceuta no se rinde”، والتي شارك فيها آلاف الأشخاص بساحة الدستور، مع تأكيده على ضرورة احترام الحق في التظاهر والتعبير عن المطالب السياسية، مقابل التحذير من الشعارات أو الخطابات التي قد تستهدف بشكل جماعي الأشخاص الأجانب أو تدعو إلى إقصائهم.

وسجل التقرير، في السياق ذاته، تصريحات وصفها بالمقلقة منسوبة إلى برلمانية عن حزب “فوكس” شبّهت فيها المهاجرين بـ”الجرذان”، معتبراً أن مثل هذه التصريحات تندرج ضمن خطاب “نزع الصفة الإنسانية” ويمكن أن تساهم في تطبيع التمييز والعنف ضد فئة من الأشخاص.

كما أعرب المجلس عن قلقه إزاء تصريحات وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني بشأن الإبقاء مؤقتاً على بعض إجراءات المراقبة المتعلقة بالوافدين من إسبانيا، بدعوى التخوف من محاولة جديدة للعبور نحو سبتة في 15 غشت، مع الإشارة إلى خطر إرهابي. واعتبر أن الربط بين الهجرة غير النظامية والتهديدات الأمنية والإرهاب يستوجب حذراً خاصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص أو مجموعات يتم تحديدها بناءً على أصلها أو مسارها الهجري.

وفي الجانب المغربي، توقف التقرير عند المتابعات القضائية التي باشرتها النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية بتطوان ضد عدد من الأشخاص على خلفية الأحداث المرتبطة بمحاولات العبور نحو سبتة، بما في ذلك أفعال تتعلق بالعصيان أو إهانة القوات العمومية أو العنف ضدها أو إتلاف ممتلكات ذات منفعة عامة.

وأكد المجلس أنه لا يستبق حقيقة الأفعال المنسوبة إلى المتابعين ولا التكييف القانوني أو الأحكام التي ستصدرها المحاكم المختصة، لكنه دعا إلى احترام جميع ضمانات المحاكمة العادلة، بما فيها الحق في الدفاع والاستفادة من مساعدة محام، والحق في معرفة التهم، وقرينة البراءة وسبل الطعن التي يتيحها القانون.

كما خصص التقرير حيزاً لمسألة الدعوات إلى تنظيم عمليات واسعة لإعادة القاصرين المغاربة غير المرافقين الموجودين حالياً في سبتة، مؤكداً أن إعادة أي قاصر لا يمكن أن تستند فقط إلى جنسيته، وإنما يجب أن تكون كل حالة محل تقييم فردي، وأن تكون مصلحة الطفل الفضلى هي المعيار الأساسي، مع الأخذ بعين الاعتبار ظروف الاستقبال والحماية في بلد العودة ووضعه الشخصي والأسري.

وفي ما يتعلق بالتنقل، حذر المجلس من مخاطر التمييز في عمليات المراقبة التي قد ترافق المخاوف من محاولة جديدة للعبور نحو سبتة، مشيراً إلى تعزيز حضور السلطات المغربية في عدد من محطات القطارات ومناطق النقل في الدار البيضاء والرباط والقنيطرة وفاس ومناطق أخرى.

ودعا إلى ألا تتحول إجراءات الوقاية إلى عمليات مراقبة عامة أو تمييزية تستند إلى السن أو المظهر أو الأصل المفترض أو مكان الإقامة أو الوجهة أو الغرض المفترض من التنقل. كما أثار التقرير قضية متابعة بعض سائقي سيارات الأجرة الكبيرة الذين نقلوا مسافرين نحو باب سبتة، محذراً من أن مثل هذه المتابعات قد تكون لها آثار ردعية أوسع على مهنيي النقل، بما قد يدفع بعضهم إلى رفض نقل أشخاص بناء على سنهم أو مظهرهم أو وجهتهم المفترضة.

وأكد المجلس أن التنقل نحو شمال المملكة أو استعمال وسائل النقل في اتجاه الفنيدق أو المناطق القريبة من سبتة لا ينبغي، في حد ذاته، أن يشكل سبباً للاشتباه أو التقييد، داعياً إلى أن تستند أي إجراءات وقائية إلى أسباب موضوعية وضرورية ومتناسبة، مع احترام حرية التنقل ومبدأ عدم التمييز.

وفي موضوع تسوية وضعية المهاجرين، عبّر التقرير عن قلقه من خطاب مسؤول مغربي يقدم أي سياسة محتملة لتسوية وضعية الأشخاص في وضعية غير نظامية بإسبانيا باعتبارها أمراً مشبوهاً أو متناقضاً مع التعاون في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية. واعتبر أن التسوية، عندما تقررها دولة في إطار سياستها الهجرية، يمكن أن تساهم في الاندماج وحماية الحقوق وتقليص هشاشة الأشخاص المعنيين، ولا ينبغي اعتبارها في حد ذاتها متناقضة مع مكافحة شبكات الاتجار أو الوقاية من الهجرة غير النظامية.

وتوقف التقرير أيضاً عند إعلان المندوبية الحكومية في سبتة، الصادر في 11 غشت، والذي أفاد بأن “الغالبية الساحقة” ممن عبروا في 30 يوليوز تمت إعادتهم إلى المغرب، متسائلاً عن مدى الطابع “الطوعي” لهذه العودة، وداعياً إلى توضيح الظروف العملية والأسس القانونية التي تمت بموجبها عمليات الإرجاع منذ 30 يوليوز.

وشدد المجلس على أن مبدأ عدم الإعادة القسرية يشكل ضمانة أساسية في القانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين، داعياً السلطات المختصة إلى توضيح الأسس القانونية لعمليات العودة وضمان الولوج الفعلي إلى إجراءات الحماية لكل شخص يطلبها، واحترام الضمانات الإجرائية المقررة قانوناً.

وخلص المجلس المدني لمحاربة جميع أشكال التمييز إلى أن الوضع في سبتة يتطلب مقاربة شاملة تقوم على حماية الأشخاص واحترام حقوق الإنسان، بالتوازي مع متطلبات التدبير والأمن، داعياً إلى تعزيز إجراءات الاستقبال وحماية القاصرين والرعاية الصحية والمساعدة الاجتماعية والقانونية.

كما شدد على ضرورة مواجهة الخطابات السياسية والإعلامية والرقمية التي قد تساهم في الوصم أو نزع الصفة الإنسانية أو التمييز، محذراً من أن تدبير الأزمات لا ينبغي أن يؤدي إلى تطبيع ممارسات استثنائية على حساب الحقوق الأساسية، وإنما يفترض أن يساهم في تخفيف التوترات وحماية الأشخاص في وضعيات هشاشة ومنع تصاعد العنف والتمييز.

أضف تعليق

 

فيديوهات المغرب بريس