كشفت صحيفة “أتالايار” الإسبانية عن التفاصيل الكاملة للصيغة الموسعة لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب لتسوية نزاع الصحراء المغربية، مؤكدة أن وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة عرضه خلال اجتماع احتضنته مدريد يومي الأحد والاثنين الماضيين، وجمع المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، تحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية وبحضور ممثل الأمين العام للأمم المتحدة.
ووفق المصدر ذاته، فقد تم اعتماد المقترح المغربي باعتباره الإطار الوحيد المطروح على طاولة المفاوضات، على أن تقود المشاورات الجارية إلى اتفاق خلال الأشهر المقبلة يُعلن عنه في واشنطن بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بحسب تقارير إعلامية.
وبحسب الصحيفة الإسبانية، فإن الوثيقة الجديدة لا تكتفي بإعادة طرح المبادرة المغربية لسنة 2007، بل تقدم صيغة قانونية مفصلة ومؤطرة بمواد واضحة وأحكام انتقالية وآليات تنظيم دستوري، ما يجعلها أقرب إلى نظام حكم ذاتي متكامل من الناحية المؤسساتية، مستلهم من تجارب مقارنة، مع تكييفه مع الإطار الدستوري المغربي ووحدة الدولة.
أولا: الأسس القانونية وتوزيع الاختصاصات
يقوم المشروع على توزيع دقيق للاختصاصات بين الدولة المركزية والجهة المعنية بالحكم الذاتي. فالدولة تحتفظ حصريا بصلاحيات السيادة، وفي مقدمتها الدفاع الوطني، والأمن الاستراتيجي، والسياسة الخارجية، والتمثيل الدبلوماسي، والعملة والسياسة النقدية، والجنسية، ورموز الدولة، والسلطة القضائية العليا. وهي مجالات غير قابلة للتفويض أو التقاسم.
في المقابل، تمارس الجهة اختصاصات واسعة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والتنموية، وفق مبدأ التفريع الذي يحدد بدقة ما يدخل ضمن صلاحياتها، مع التنصيص على آليات لتدبير أي تعارض محتمل بين القوانين الجهوية والوطنية عبر لجنة مشتركة قبل اللجوء إلى المحكمة الدستورية.
ثانيا: السلطة التشريعية والتمثيلية
ينص المقترح على إحداث برلمان جهوي بغرفة واحدة، يُنتخب أعضاؤه بالاقتراع العام المباشر وفق نظام التمثيل النسبي، مع تخصيص تمثيلية للقبائل الصحراوية المعترف بها، وضمان مشاركة وازنة للنساء. ويمنح البرلمان صلاحيات تشريعية كاملة في نطاق اختصاصاته، بما في ذلك اعتماد قوانين تنظيمية جهوية بأغلبية مؤهلة.
كما يظل ممثلو الجهة أعضاء في البرلمان الوطني، بما يضمن مشاركتهم في التشريع الوطني والقرارات السيادية. ويُحدث أيضا مجلس اقتصادي واجتماعي وبيئي جهوي يضم الفاعلين الاقتصاديين وممثلي المجتمع المدني، ويضطلع بدور استشاري إلزامي خصوصا في ما يتعلق بالميزانية.
ثالثا: السلطة التنفيذية
تناط السلطة التنفيذية برئيس حكومة جهوي يُعيَّن وفق آلية دستورية تضمن انسجام الحكم الذاتي مع وحدة الدولة. ويتولى الإشراف على الإدارة الجهوية، وتعيين كبار المسؤولين، وممارسة المبادرة التشريعية داخل نطاق اختصاصاته. وتخضع الحكومة الجهوية لآلية المساءلة السياسية عبر ملتمس حجب الثقة.
كما يضطلع رئيس الحكومة بدور حلقة الوصل المؤسساتية بين الجهة والدولة، بما يضمن التنسيق الدستوري واحترام وحدة السيادة.
رابعا: التنظيم القضائي والرقابة الدستورية
يقترح المشروع إرساء منظومة قضائية جهوية تشمل محاكم ابتدائية واستئنافية تطبق القوانين الجهوية باسم الملك، مع إحداث محكمة عليا جهوية للنظر في النزاعات المرتبطة بالقانون الجهوي. وتظل الرقابة الدستورية النهائية بيد المؤسسات الوطنية المختصة، مع اعتماد آلية تنسيقية لتفادي تنازع الاختصاص.
خامسا: النظام المالي والاقتصادي
يمنح المقترح الجهة موارد مالية ذاتية تشمل ضرائب ورسوم جهوية، ونصيبا من الإيرادات الوطنية، وحقوق استغلال الموارد الطبيعية. كما ينص على آلية لضمان التوازن المالي والانضباط الميزانياتي، مع إخضاع الاستثمارات الاستراتيجية لمسطرة تنسيق مزدوجة بين المستويين الجهوي والوطني.
ويتضمن أيضا نظاما لتنظيم الملكية الجماعية للأراضي وحماية الموارد، بما يضمن تدبيرا عقلانيا للاستثمار والتنمية.
سادسا: المرحلة الانتقالية وعودة السكان
تشمل الوثيقة مقتضيات خاصة بتنظيم عودة الصحراويين المقيمين بمخيمات تندوف، عبر مساطر للتسجيل والتحقق من الهوية، وإحداث لجنة دائمة للإشراف على العملية. كما تتضمن ترتيبات لنزع السلاح وإعادة الإدماج، مع استثناء الجرائم الدولية من أي عفو.
سابعا: المصادقة الدستورية
ينص المشروع على عرض نظام الحكم الذاتي على استفتاء وطني، وإدماجه ضمن مقتضيات دستورية محصنة تتطلب أغلبية معززة لأي تعديل مستقبلي. كما يؤكد بشكل صريح على عدم قابلية النظام لأي تأويل يفتح باب الانفصال، بما يكرس وحدة الدولة وسيادتها.
ثامنا: الهوية والرموز
تحافظ الدولة على رموز السيادة كافة، بما فيها العلم والنشيد الوطني والعملة. وفي المقابل، يتم الاعتراف بالهوية الحسانية كمكون أساسي من مكونات الهوية الوطنية، مع إحداث معهد خاص لحمايتها وتعزيزها، وضمان اختصاصات ثقافية وتعليمية في هذا المجال.
تاسعا: آليات التنفيذ والتقييم
يتضمن المشروع جدولا زمنيا للتنفيذ المرحلي، وآلية تقييم دورية كل خمس سنوات لمراجعة الأداء، مع التأكيد على مشاركة الجهة في الاستراتيجيات الوطنية الكبرى، خصوصا ذات البعد الأطلسي والإفريقي.
وبحسب ما أوردته “أتالايار”، فإن هذه الصيغة التفصيلية تمثل تطويرا مؤسساتيا متقدما للمبادرة المغربية، وتشكل المرجعية المعتمدة في المسار التفاوضي الجاري بمدريد تحت إشراف أمريكي ومواكبة أممية. وتشير تقارير إعلامية إلى أن الهدف هو التوصل إلى اتفاق خلال الأشهر المقبلة، على أن يُعلن عنه في واشنطن في حال استكمال التفاهمات بين الأطراف المعنية، ما يضع المقترح المغربي في قلب دينامية تفاوضية توصف بأنها الأكثر جدية منذ سنوات.








