يسارٌ يبحث عن نفسه.. دعوة بنعبد الله لـ”وحدة بلا شروط” تصطدم بأسئلة الثقة والجدوى

المغرب بريس

دعا نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، خلال لقاء حزبي، مكونات اليسار والقوى التقدمية إلى التكتل حول برنامج حدّ أدنى يُمكّن من تقديم بديل سياسي للمغاربة، معلناً استعداد حزبه للشروع ابتداءً من هذا الأسبوع في عقد اجتماعات مع هذه الأطراف من أجل بلورة أرضية مشتركة تُبنى عليها تحالفات انتخابية وسياسية قادرة، وفق تعبيره، على طرح بديل للتغيير.

بنعبد الله اعتبر أن حالة التشتت التي تعيشها قوى اليسار في البلاد غير مبررة، داعياً إلى فتح نقاش جماعي “من دون شروط مسبقة أو حسابات مرتبطة بما قد يحدث مستقبلاً”، في إشارة إلى ضرورة تجاوز الخلافات التنظيمية والتاريخية التي عطلت لسنوات إمكانية بناء جبهة يسارية موحدة.

غير أن هذه الدعوات لا تزال، حتى الآن، دون استجابة ملموسة من بقية مكونات اليسار، خصوصاً أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، ما يعكس استمرار منسوب الشك السياسي بين هذه الأطراف بشأن جدوى أي اصطفاف جديد لا يجيب عن أسئلة التجربة السابقة ومآلاتها.

في هذا السياق، أوضح عبد السلام العزيز، الأمين العام لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، في اتصال مع “الأول”، أنه “لا يجد مانعاً في الجلوس إلى طاولة الحوار مع باقي الأطراف اليسارية”، مؤكداً أن حزبه كان دائماً مع توحيد الصف التقدمي، “ولا يمكن إلا أن يكون إلى جانب هذا الطرح”. لكنه شدد، في المقابل، على أن أي دعوة للوحدة حول برنامج حد أدنى تستوجب من نبيل بنعبد الله تقديم أجوبة واضحة على عدد من القضايا الجوهرية.

وأوضح العزيز أن أول هذه الأسئلة يتعلق بطبيعة التنسيق الانتخابي: “هل الدخول إلى الانتخابات بشكل موحد بين قوى اليسار يهدف فقط إلى توزيع المقاعد وتفادي التنافس في الدوائر، أم أن الأمر يتجاوز ذلك باعتبار الانتخابات محطة ضمن مسار أشمل للتغيير؟”.

وأضاف متسائلاً: “في حال تصدّرنا الانتخابات، هل سنعود إلى تشكيل حكومات هجينة تضم خليطاً من اليسار واليمين ومختلف المرجعيات؟ لقد خضنا مثل هذه التجارب سابقاً وكانت نتائجها معروفة واتسمت بالفشل، وحزب التقدم والاشتراكية الذي يدعو اليوم إلى الوحدة كان من أكثر الأحزاب انخراطاً في هذا الخيار، ونعرف جميعاً كيف انتهى”.

ويرى العزيز أن هذا المعطى يفرض طرح سؤال مركزي: “هل الوحدة التي يُدعى إليها اليوم ستعيد إنتاج نفس التجربة؟ وهو ما يتعارض مع توجهاتنا داخل فيدرالية اليسار”.

كما تساءل عن مدى القدرة الواقعية على تنفيذ البرامج الانتخابية في حال الوصول إلى السلطة، قائلاً: “هل نحن قادرون على تنزيل البرامج التي سنعد بها المواطنين بعد الفوز، في ظل طبيعة الوضع الحزبي والسياسي وإشكالية الصلاحيات الحكومية وصعوبة تنفيذ السياسات العمومية؟”، مضيفاً أن السياق الحالي أكثر تعقيداً، خاصة مع اقتراب تنزيل ورش الحكم الذاتي في الصحراء، “فهل سيسمح هذا الوضع بالوفاء بالوعود الانتخابية؟”.

من جهة أخرى، كشف مصدر قيادي في الحزب الاشتراكي الموحد لموقع “الأول” أن لقاءات انطلقت بين الأطراف الثلاثة، سواء بشكل ثنائي أو ثلاثي، غير أن أبرز نقاط الخلاف تمحورت حول طبيعة التحالف الانتخابي وسقفه السياسي. وأوضح أن هناك تصورين مختلفين: الأول يعتبر أن التحالف ينتهي مباشرة بعد إعلان النتائج الانتخابية، مع احتفاظ كل طرف بحقه في اتخاذ ما يراه مناسباً بخصوص التحالفات الحكومية المحتملة؛ فيما يرى التصور الثاني أن التحالف ينبغي أن يستمر طيلة الولاية البرلمانية، من خلال تشكيل فريق موحد قائم على برنامج واضح، يشمل أيضاً المواقف المرتبطة بالتحالفات المستقبلية لتشكيل الحكومة.

وأضاف المصدر أن الحزب الاشتراكي الموحد لا يعارض مبدأ التحالف الانتخابي بين أحزاب اليسار، على الأقل مع فدرالية اليسار الديمقراطي وحزب التقدم والاشتراكية، مستحضراً تجربة توحد اليسار الفرنسي ضمن الجبهة الشعبية الجديدة، التي مكّنته من مواجهة صعود اليمين المتطرف وتحقيق المرتبة الأولى. لكنه شدد على ضرورة تفادي تكرار ما آلت إليه تلك التجربة من تشتت داخل البرلمان، مؤكداً أن احترام التعاقدات التي يصوت المغاربة على أساسها يظل شرطاً أساسياً.

وتابع المصدر أن عدداً من المثقفين والمتعاطفين مع اليسار، غير المنتمين تنظيمياً إلى أحزابه، مستعدون للالتفاف انتخابياً حول هذا التحالف، شريطة أن يكون واضحاً في برنامجه وآفاقه المستقبلية.

وبخصوص إمكانية المشاركة في الحكومة المقبلة، أوضح المصدر ذاته أن موقف الحزب الاشتراكي الموحد واضح في هذا الصدد، ويتمثل في عدم المشاركة في أي حكومة في ظل دستور لا ينص على ملكية برلمانية.

في ضوء هذه المواقف، تبدو مبادرة بنعبد الله محفوفة بتحديات سياسية عميقة، ليس أقلها فجوة الثقة المتراكمة بين مكونات اليسار واختلاف قراءاتها لمسار المشاركة في السلطة وحدودها. كما أن التباينات المرتبطة بالتجارب السابقة والصراعات التنظيمية والتوجهات الاستراتيجية لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على أي محاولة لإعادة تجميع هذا التيار الذي ظل، لعقود، أحد أبرز الفاعلين في الحقل السياسي المغربي قبل أن يتحول إلى فسيفساء مشتتة تبحث اليوم عن معنى جديد لوحدتها الممكنة.

أضف تعليق

 

فيديوهات المغرب بريس