كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، تعود داخل البيت اليساري الدعوات إلى “توحيد الصف”، ولو في حدّه الأدنى الانتخابي، بهدف تحسين النتائج وتقليص كلفة التشتت الذي بات سمة ملازمة لمختلف تعبيرات اليسار، باختلاف مرجعياته وخلفياته الفكرية والتنظيمية، وفي هذا السياق، خرج الأمين العام لحزب حزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبد الله، بدعوة إلى ما سماه “وحدة بلا شروط”.
العبارة في ظاهرها جذابة، لكنها في عمقها ملتبسة، فـ”الوحدة” مفهوم ثقيل سياسياً وتاريخياً، ولا يجوز استعماله بخفة خطابية، هل المقصود وحدة تنظيمية؟ اندماج حزبي؟ جبهة سياسية دائمة؟ أم مجرد تحالف انتخابي مرحلي لتجميع الأصوات؟ هذا الخلط المفاهيمي ليس بريئاً بالكامل، لأنه يخلق أثراً سياسياً ورمزياً أكبر من مضمونه العملي؛ في الواقع، ما يُطرح – حتى الآن – لا يتجاوز كونه تحالفاً انتخابياً تكتيكياً ذا طبيعة براغماتية، هدفه تحسين الحصيلة العددية، وليس إعادة بناء مشروع يساري موحد.
لا ضير، من حيث المبدأ، في تنسيق أو تحالف انتخابي بين أطراف اليسار المشاركة في العملية السياسية؛ بل قد يكون ذلك خياراً عقلانياً لتفادي إهدار الأصوات وتشتيت القاعدة الاجتماعية، غير أن الخطورة تكمن في أن يتحول هذا التكتيك إلى غاية في حد ذاته، خالياً من أي مضمون سياسي، فالذهاب إلى لوائح مشتركة من دون برنامج انتخابي حدّ أدنى، ومن دون تعاقد سياسي واضح بين الأطراف المتحالفة، ثم بينها وبين المواطنين، يعني تحويل “الوحدة” إلى مجرد عملية حسابية.
التحالف الانتخابي، إن كان جدياً، لا ينبغي أن يقتصر على لحظة الاقتراع. يجب أن يمتد إلى ما بعدها: إلى تشكيل فريق نيابي مشترك، وتحديد طبيعة التموضع داخل البرلمان، وتصور التحالفات المحتملة، والحسم المسبق في سؤال المشاركة الحكومية من عدمها. كما يفترض أن يتضمن أرضية مطالب اجتماعية وحقوقية واضحة، من بينها – مثلاً – الدفع في اتجاه معالجة ملفات الحريات، وعلى رأسها مطلب العفو العام عن معتقلي الريف والحراكات الاجتماعية، بما يمنح التحالف بعداً قيمياً لا مجرد انتخابي.
أما الاكتفاء بتحالف تقني ينتهي مفعوله بمجرد إعلان النتائج، كما يروج داخل بعض الدوائر المغلقة، فسيكون بمثابة خديعة سياسية جديدة. المواطن الذي يمنح صوته لليسار على أساس خطاب الوحدة سيشعر بأنه أمام عملية تجميع ظرفية بلا أفق. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بما يُسمى “اليسار الرسمي” المتمثل في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، بل أيضاً “اليسار الديمقراطي”، من قبيل فدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، ففشل تجربة “وحدة” شكلية سيعمّق أزمة الثقة ويُراكم انتكاسة جديدة تُضاف إلى سجل الإخفاقات التاريخية.
المطلوب، إذن، ليس مجرد شعار جامع، بل نقاش عميق ومسؤول بين هذه القوى، بعيداً عن التصنيفات الجاهزة والأحكام الإيديولوجية الأرثوذكسية التي لم تعد تقنع الشارع، وفي الوقت ذاته من دون السقوط في براغماتية نفعية تختزل السياسة في حسابات المقاعد وتدبير التوازنات الشخصية. فالمعادلة الدقيقة تكمن في الجمع بين الوضوح المبدئي والواقعية السياسية.
ينبغي النظر إلى دعوة “الوحدة بلا شروط” بجدية، لكن أيضاً بصرامة نقدية. فإذا كانت لحظة الانتخابات فرصة لإعادة بعث الأمل في مشروع يساري متجدد، فإنها قد تتحول، في غياب تعاقد سياسي واضح وأفق مشترك، إلى محطة انتكاسة أخرى، وفي سياق يتسم بفراغ نسبي في العرض السياسي وضعف الوساطة الحزبية، قد تكون هذه اللحظة إما بداية إعادة تأسيس، أو حلقة جديدة في مسلسل التراجع.
الرهان الحقيقي ليس في عدد المقاعد، بل في استعادة المعنى السياسي لليسار: كحامل لمشروع اجتماعي ديمقراطي، لا ككتلة انتخابية عابرة، وبين “وحدة” بلا شروط، و”تحالف” بشروط واضحة ومعلنة، يكمن الفرق بين تكتيك ظرفي ومشروع تاريخي.








