بقلم – حفيظ بوقرة
في عالم تحكمه المصالح الاستراتيجية والتحالفات الواقعية، لم تعد النزاعات الإقليمية تُقاس بالشعارات السياسية بقدر ما تُقاس بقدرة الدول على بناء شراكات قوية وتحقيق الاستقرار والتنمية. وفي هذا السياق، برزت قضية الصحراء المغربية كنموذج واضح للفارق بين مقاربة مغربية قائمة على الواقعية السياسية، ومقاربة جزائرية وُصفت من قبل عدد من المراقبين بأنها رهينة حسابات أيديولوجية وتحالفات محدودة التأثير.
خلال السنوات الأخيرة، تمكن المغرب من تحقيق اختراقات دبلوماسية متتالية عززت موقفه الدولي. فقد نجحت الرباط في تحويل مبادرة الحكم الذاتي من مجرد مقترح سياسي إلى أرضية تحظى بدعم متزايد داخل المجتمع الدولي، خاصة بعد الموقف الذي أعلنته الولايات المتحدة الأمريكية الداعم لهذا الحل باعتباره واقعياً وذا مصداقية. هذا التحول لم يكن حدثاً معزولاً، بل جاء نتيجة استراتيجية دبلوماسية طويلة اعتمدت على الشراكات الاقتصادية والأمنية وتعزيز صورة المغرب كفاعل للاستقرار الإقليمي.
في المقابل، وجدت الجزائر نفسها في وضع دبلوماسي أكثر تعقيداً. فبدل توسيع دائرة التأييد الدولي لموقفها، بقي دعمها لجبهة البوليساريو محصوراً في نطاق محدود، في وقت اتجهت فيه عدة دول إلى دعم الحل السياسي الواقعي الذي يطرحه المغرب. ويرى محللون أن الرهان الجزائري على خطاب الحرب الباردة ومفاهيم الصراع التقليدية لم يعد منسجماً مع التحولات الجيوسياسية الحالية التي تفضّل الاستقرار والتنمية على النزاعات المفتوحة.
كما أن الاتهامات المتكررة بوجود تقارب بين الجزائر وإيران زادت من تعقيد صورة الجزائر دولياً، خصوصاً في ظل التوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. فإدخال أطراف بعيدة جغرافياً عن النزاع المغاربي اعتُبر لدى بعض المراقبين مؤشراً على بحث الجزائر عن توازنات خارجية لتعويض تراجع التأثير الدبلوماسي داخل محيطها الإقليمي.
في المقابل، استطاع المغرب ترسيخ موقعه كشريك استراتيجي موثوق للقوى الغربية والإفريقية، مستفيداً من استقرار مؤسساته وتنامي حضوره الاقتصادي في القارة الإفريقية. وقد انعكس ذلك في افتتاح عدد متزايد من القنصليات الأجنبية في مدن الأقاليم الجنوبية، وهو تطور اعتبرته الرباط دليلاً عملياً على الاعتراف المتزايد بواقعية الطرح المغربي.
أما على المستوى الجيوسياسي الأوسع، فإن تراجع نفوذ بعض القوى الإقليمية الداعمة لخصوم المغرب يمنح الرباط هامشاً أكبر لتعزيز مكاسبها الدبلوماسية. فالنظام الدولي الحالي يميل إلى دعم الحلول البراغماتية التي تقلل من بؤر التوتر، وهو ما يجعل مبادرة الحكم الذاتي أقرب إلى منطق التسويات المعاصرة مقارنة بخيارات التصعيد أو إطالة النزاع.
وبينما يواصل المغرب الاستثمار في التنمية والبنية التحتية بالأقاليم الجنوبية وربطها اقتصادياً بإفريقيا وأوروبا، تبدو المقاربة الجزائرية ، عاجزة عن تقديم بديل سياسي قابل للتطبيق، ما ساهم في إطالة أمد النزاع دون تحقيق تقدم ملموس.
في النهاية، تكشف التطورات الأخيرة أن ميزان القوة في القضايا الدولية لا يُحسم فقط بالخطابات، بل بمدى القدرة على بناء التحالفات وتحقيق الاستقرار الداخلي وجذب الثقة الدولية. وفي هذا الإطار، يبدو أن المغرب نجح في تحويل قضية الصحراء من نزاع إقليمي جامد إلى مشروع سياسي يحظى بدعم متزايد، بينما تواجه الجزائر تحدي مراجعة مقاربتها في عالم يتغير بسرعة كبيرة.








