عاد ملف العنصرية في الملاعب الإسبانية إلى الواجهة، بعد الهتافات المثيرة للجدل التي شهدتها مباراة إسبانيا ومصر الودية، في توقيت حساس يتزامن مع نقاش متصاعد حول توزيع أبرز مباريات كأس العالم 2030 بين الدول الثلاث المنظمة، وعلى رأسها النهائي وحفل الافتتاح، وسط تنافس غير معلن بين المغرب وإسبانيا.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن فعلا لمثل هذه الحوادث أن تؤثر في قرار بهذا الحجم؟ وهل ينتظر المغرب مثل هذه الوقائع لترجيح كفته على حساب إسبانيا؟
من الناحية الشكلية، يبدو الجواب واضحا: لا. فقرارات من هذا المستوى، خاصة لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم، لا تُبنى على واقعة معزولة، مهما كان صداها الإعلامي، بل على معايير دقيقة تشمل الجاهزية، البنية التحتية، القدرة التنظيمية، والتوازن بين الدول المنظمة. وفي هذا السياق، تظل إسبانيا مرشحا قويا، بفضل ملاعب جاهزة وتجربة متراكمة، من بينها سانتياغو بيرنابيو.
غير أن هذا الجواب، ورغم وجاهته، لا يعكس الصورة كاملة، فالمباراة النهائية أو حفل الافتتاح لا يتعلقان فقط بالجوانب التنظيمية، بل يمثلان لحظة رمزية يتابعها العالم، وتُختزل فيها القيم التي يُراد إبرازها؛ وهنا، تصبح مسألة الصورة عاملا مكملا، ولو بشكل غير معلن، في عملية الاختيار.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية ما يُعرف في العلاقات الدولية بـ“القوة الناعمة”، أي قدرة الدول على التأثير من خلال صورتها وقيمها، وليس فقط عبر بنيتها التحتية، فاختيار احتضان مباراة نهائية أو حفل افتتاح لا يرتبط بالجاهزية التقنية وحدها، بل أيضا بالرسالة التي يُراد إيصالها إلى العالم، وهو ما يجعل صورة البلد عاملا مكملا في عملية الحسم، خاصة في سياقات تنافس متقارب.
في هذا الإطار، تضع مثل هذه الحوادث إسبانيا تحت ضغط إضافي، ليس من حيث قدرتها على التنظيم، بل من حيث الصورة التي تقدمها، خاصة في سياق دولي حساس تجاه قضايا التمييز؛ وفي المقابل، يتيح ذلك لباقي الشركاء، وعلى رأسهم المغرب، تعزيز موقعهم كخيار يعكس قيم الانفتاح والتنوع التي تحرص الفيفا على إبرازها.
غير أن التحول الأهم لا يرتبط فقط بالصورة، بل بالواقع، فالمغرب لم يعد يطرح نفسه كمجرد مرشح بخطاب طموح، بل يستند إلى تجربة تنظيمية حديثة، من بينها احتضان كأس إفريقيا للأمم، التي قدم خلالها صورة إيجابية على مستوى التنظيم والبنية التحتية، من خلال تعبئة تجهيزات كبيرة، خاصة ملاعب بمعايير دولية، إلى جانب الجوانب اللوجستية والأمنية، كما يعزز هذا الرصيد، اليوم، تقدم فعلي في أشغال ملعب الحسن الثاني الكبير ببنسليمان، بما يمنح المشروع بعدا من المصداقية والجاهزية، وهنا تتغير طبيعة التنافس؛ لم يعد بين طرف جاهز وآخر يعد، بل بين نموذجين مختلفين في تقديم أنفسهما.
وعليه، فإن ملف العنصرية في إسبانيا لا يمكن اعتباره عاملا حاسما في حد ذاته، لكنه قد يتحول إلى عنصر مرجّح في سياق تنافس متقارب، حيث تلعب التفاصيل دورا أكبر مما يبدو.
بمعنى أدق، المغرب لا يحتاج إلى أخطاء منافسيه لفرض نفسه، لكنه يستفيد منها حين تتقاطع مع تقدمه على مستوى الإنجاز؛ فالرهان لم يعد فقط من يمتلك أفضل بنية تحتية، بل من يقدم أيضا الصورة الأكثر انسجاما مع رسالة كأس العالم.
وفي سباق من هذا النوع، قد لا تحسم حادثة واحدة القرار، لكنها بالتأكيد لا تمر دون أثر.








