من “التعاونية” إلى “الكليك”.. هل أنصفت التجارة الإلكترونية المنتجات المجالية بالمغرب؟

أمين مساعد / علي جوات

لم تعد المنتجات المجالية المغربية، من زيت الأركان إلى العسل إلى التمور، تكتفي برفوف الأسواق التقليدية أو المواسم المحلية، بل بدأت تجد طريقها إلى منصات التجارة الإلكترونية، في سياق تحول رقمي متسارع يشهده المغرب.

وبينما تراهن السياسات العمومية على هذا التحول لتمكين التعاونيات من تجاوز الوسطاء وولوج أسواق أوسع، يكشف الواقع عن تفاوتات في الاستفادة، تضع الفلاحين الصغار أمام تحدٍ جديد: الاندماج في اقتصاد رقمي لا تتوفر شروطه للجميع.

عملية تقليدية لاستخراج زيت الأركان، أحد أبرز المنتجات المجالية بالمغرب.
عملية تقليدية لاستخراج زيت الأركان، أحد أبرز المنتجات المجالية بالمغرب.

تحول رقمي يطرق أبواب العالم القروي

خلال السنوات الأخيرة، ومع انتشار استعمال الإنترنت وتغير أنماط الاستهلاك، بدأت عدد من التعاونيات الفلاحية تعتمد وسائل رقمية لتسويق منتجاتها، سواء عبر مواقع إلكترونية أو منصات التواصل الاجتماعي.

كما أطلقت وكالة التنمية الفلاحية مبادرات رقمية لتسويق المنتجات المجالية، في إطار توجه يروم ربط المنتجين مباشرة بالمستهلكين، وتعزيز حضور المنتوج المحلي داخل السوق الوطنية والدولية.

جانب من رواق المغرب في المعرض الدولي للفلاحة بباريس 2026، حيث تم عرض منتجات مجالية بمشاركة عشرات التعاونيات والفلاحين.

من الحقل إلى الشاشة

في الميدان، يؤكد الفلاح الشاب أحمد صوفا أن التجارة الإلكترونية بدأت تفرض نفسها تدريجياً حتى داخل العالم القروي، رغم التحديات المرتبطة بالبنيات التحتية ومستوى التكوين.

“حتى في القرى، ولى كاين وعي بأهمية التسويق عبر الإنترنت، خصوصاً مع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى الشباب بدؤوا يخلقوا مبادرات رقمية باش يسوقوا المنتوجات الفلاحية.”

ويضيف أن تجربتهم تعتمد على استعمال منصات متعددة، من بينها فيسبوك وإنستغرام وواتساب، إلى جانب مواقع إلكترونية خاصة، يتم من خلالها عرض المنتجات بمواصفاتها التقنية.

“كنستعملو الإنترنت بشكل يومي، كننشروا صور المنتوجات مع المواصفات ديالها، وحتى fiche technique لكل منتوج، باش الزبون يكون عندو فكرة واضحة قبل ما يشري.”

وأوضح أن هذا التحول الرقمي مكّنهم من الوصول إلى فئات جديدة من الزبناء، خصوصاً عبر الإعلانات الرقمية التي تسمح باستهداف المهتمين بالمنتجات الفلاحية.

“التجارة الإلكترونية خلاتنا نوصلو لزبناء جداد، والإعلانات عبر الإنترنت كتعطينا إمكانية نستهدفو الناس اللي مهتمين بالفلاحة أو بالأشجار المثمرة.”

كما أشار إلى أن هذا النمط من التسويق ساهم في التعريف بالمنتوجات المحلية وتوسيع انتشارها خارج النطاق الجغرافي التقليدي.

“البيع عبر الإنترنت كيعاون بزاف فالتعريف بالمنتوج المحلي، وكيخلي الزبون يقبل عليه أكثر، خصوصاً إلا كان المنتوج عندو جودة.”

 

أرقام تعكس الإمكانات… وتكشف الحدود

تشير المعطيات إلى أن التجارة الإلكترونية في المغرب تعرف نمواً متواصلاً، حيث يتم تسجيل عشرات الملايين من المعاملات سنوياً، في وقت يضم فيه النسيج التعاوني أزيد من 40 ألف تعاونية، نسبة مهمة منها تنشط في المجال الفلاحي.

كما يتوفر المغرب على أكثر من 200 منتوج مجالي معترف به، تشمل أساساً زيت الأركان، العسل، زيت الزيتون، التمور، والأعشاب الطبيعية، وهي منتجات تعرف إقبالاً متزايداً، خاصة عبر القنوات الرقمية.

يوضح الغرافيك المرفق أبرز هذه المعطيات.

معطيات أساسية حول المنتجات المجالية بالمغرب

غير أن هذه الدينامية، رغم أهميتها، لا تنعكس بشكل متكافئ على جميع الفاعلين، خاصة في العالم القروي.

تحديات التوصيل والثقة

أحمد صوفة (40 سنة)، في موسم جني الزيتون

في المقابل، يبرز أحمد صوفا أن هذا التحول لا يخلو من صعوبات، خاصة على مستوى التوصيل وثقة الزبناء.

“أكبر تحدي هو أن بعض الزبناء ما كيكونوش جديين، كيديرو الطلب وما كيلتزموش به.”

كما يشدد على أن بناء الثقة يظل عاملاً حاسماً في نجاح تجربة البيع عبر الإنترنت.

“الثقة كتجي مع الوقت، من خلال التجربة والسمعة وطريقة التواصل، وحتى المحتوى اللي كنشاركو عبر الإنترنت.”

 

اللوجستيك والدفع… تحديات قائمة

مناطق قروية تواجه تحديات في الولوج إلى خدمات التسويق الرقمي.

رغم الفرص التي تتيحها التجارة الإلكترونية، تبرز عدة عراقيل ميدانية، أبرزها كلفة التوصيل وصعوبات تدبير العمليات اللوجستيكية، خاصة في المناطق القروية.

كما يفضل عدد كبير من المستهلكين خيار “الدفع عند الاستلام”، ما يفرض تحديات إضافية على المنتجين، سواء من حيث تدبير الطلبات أو مخاطر الإرجاع.

 

مبادرات مؤسساتية لدعم تثمين وتسويق المنتجات المجالية

في المقابل، تضطلع وكالة التنمية الفلاحية بدور محوري في مواكبة هذا التحول، باعتبارها مؤسسة عمومية تسهر على تنزيل الاستراتيجية الفلاحية للمملكة، من خلال دعم الاستثمار وتطوير سلاسل الإنتاج ذات القيمة المضافة.

وفي هذا السياق، تعمل الوكالة على تشجيع تثمين المنتجات الفلاحية، سواء عبر تطوير وحدات التحويل والتوضيب، أو من خلال تعزيز تسويق المنتجات المجالية على الصعيدين الوطني والدولي، إضافة إلى مواكبة التعاونيات والفلاحين، خاصة في إطار الفلاحة التضامنية.

 

التجارة الإلكترونية كرافعة لتثمين المنتجات الفلاحية

في هذا السياق، تراهن الاستراتيجيات الفلاحية بالمغرب على تثمين المنتجات الفلاحية كمدخل أساسي لرفع القيمة المضافة، حيث لم يعد هذا التثمين يقتصر على الإنتاج، بل يشمل أيضاً طرق العرض والتسويق.

فالتجارة الإلكترونية تساهم في إبراز هوية المنتوج وربطه بالمستهلك، مما يعزز مكانته داخل السوق.

“البيع عبر الإنترنت كيعاون بزاف فالتعريف بالمنتوج المحلي وكيخلي الزبون يقبل عليه أكثر”، يقول أحمد صوفا.

لم تعد القيمة المضافة للمنتوج الفلاحي تُبنى فقط في الحقول، بل أصبحت تُصنع أيضاً على الشاشات.

 

بين الأروقة والأسواق الرقمية

منتجات مجالية معروضة للبيع في فضاءات تقليدية.

بالموازاة مع هذا التحول الرقمي، لا تزال الفضاءات التقليدية تحتفظ بدورها في تسويق المنتجات المجالية.

وفي هذا الإطار، تم تنظيم رواق خاص بالمنتوجات المحلية خلال شهر مارس 2026، بمشاركة عدد من التعاونيات، بهدف تقريب هذه المنتجات من المستهلكين.

جانب من رواق المغرب في المعرض الدولي للفلاحة بباريس 2026، بمشاركة عشرات التعاونيات والفلاحين.
(المصدر: وكالة التنمية الفلاحية)

غير أن هذه الدينامية تعكس مرحلة انتقالية يعيشها القطاع، بين التسويق التقليدي والرقمي.

سوق واعدة… لكن بشروط

رغم الإمكانات التي تتيحها التجارة الإلكترونية للمنتجات المجالية، فإن تحويلها إلى رافعة تنموية شاملة يظل رهيناً بتعزيز شروط الولوج، من خلال تعميم التكوين الرقمي، وتحسين خدمات التوصيل، وتوسيع استفادة الفلاحين الصغار من هذه الدينامية.

وفي ظل هذا التحول، تبدو التجارة الإلكترونية كخيار واعد لتثمين المنتجات المجالية بالمغرب، بما يساهم في تعزيز حضورها داخل السوق الوطنية والانفتاح على أسواق جديدة.

ويظل الرهان قائماً على مواصلة مواكبة هذا المسار، بما يضمن استفادة أوسع للتعاونيات والفلاحين، ويعزز مكانة المنتوج المحلي كرافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

أضف تعليق

 

فيديوهات المغرب بريس