في اللحظات العادية، تمر أسماء كثيرة داخل دواليب الإدارة مروراً صامتاً، تشتغل في الخلفية دون أن يلتفت إليها الرأي العام.
لكن حين تضرب الأزمات، يتغير المشهد. فجأة، يصبح المسؤول التقني وجهاً مألوفاً، ويتحوّل الاختصاص العلمي إلى مادة يومية للنقاش داخل البيوت والمقاهي ومنصات التواصل.
هكذا صنعت جائحة كورونا اسم محمد اليوبي، وهكذا تصنع التقلبات المناخية المتسارعة اليوم اسم الحسين يوعابد.
محمد اليوبي.. حين صار علم الأوبئة حديث المغاربة
قبل سنة 2020، لم يكن اسم محمد اليوبي متداولاً خارج الأوساط الصحية، طبيب مختص في الصحة العامة، يشغل منصب مدير مديرية علم الأوبئة ومحاربة الأمراض بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، راكم تجربة طويلة في مجال الرصد الوبائي وتتبع الأمراض.
لكن مع تسجيل أولى حالات الإصابة بفيروس كورونا في المغرب، وجد نفسه في قلب واجهة غير مسبوقة، تحوّل إلى المتحدث اليومي باسم الأرقام: الإصابات، الوفيات، حالات التعافي، وتفاصيل البؤر الوبائية.
صار ظهوره التلفزيوني موعداً ثابتاً ينتظره ملايين المغاربة، في زمن كان فيه القلق الجماعي في أوجه.
أسلوبه الهادئ، ولغته العلمية المبسطة، منحا حضوره طابعاً تقنياً بعيداً عن التهويل، في وقت كانت فيه الإشاعات تنتشر بسرعة.
لم يكن اليوبي سياسياً، بل خبيراً يؤدي وظيفة تفسيرية في ظرف استثنائي، ومع ذلك، ارتبط اسمه في الذاكرة الجماعية بمرحلة الحجر الصحي والطوارئ الصحية، إلى درجة أن وعكته الصحية خلال الجائحة أثارت موجة تعاطف واسعة، عكست حجم الرمزية التي بات يمثلها.
الحسين يوعابد.. صوت النشرات الإنذارية في زمن المناخ المتقلب
على نحو مشابه، لم يكن اسم الحسين يوعابد معروفاً لدى عموم المواطنين قبل سنوات، مهندس دولة في الأرصاد الجوية، تخرج سنة 1998 من المدرسة الحسنية للأشغال العمومية، والتحق بالإدارة في 21 يونيو 1999، ليشق مساراً مهنياً جمع بين العمل التقني والتدبيري.
تدرج من مهندس إلى رئيس للمتنبئين في مصلحة التوقعات العامة ما بين 2001 و2010، معززاً خبرته بتكوينات متخصصة في التنبؤ الآني (Nowcasting) وأنظمة الإنذار المبكر.
لاحقاً، انتقل إلى مجال التدبير كرئيس لمصلحة الموظفين، مستفيداً من تكوينات في إدارة المشاريع ونظم الجودة (ISO 9001)، قبل أن يتولى منذ سنة 2013 مسؤولية الشراكة والتواصل بالمديرية العامة للأرصاد الجوية، خلفاً لمحمد بلعوشي.
صقل يوعابد مهاراته التواصلية عبر دورات دولية، من بينها تكوين حول التواصل مع الإعلام في هونغ كونغ، وتدريبات متعلقة بآليات الإنذار المبكر في أفريقيا، كما ساهم في نقل المعرفة كأستاذ عرضي لمادتي الأرصاد الجوية العامة والمدارية.
غير أن اسمه لم يتحول إلى اسم متداول إلا مع توالي الظواهر الجوية القصوى: أمطار غزيرة، فيضانات، تساقطات ثلجية، ونشرات إنذارية برتقالية وحمراء.
في كل مرة، كان يظهر لشرح طبيعة المنخفضات الجوية، وتفسير السياق المناخي، وتوضيح الفوارق بين التساقطات العادية والظواهر الاستثنائية، ومع تزايد الاهتمام الشعبي بالطقس، أصبح يوعابد أحد الوجوه الأكثر حضوراً في النقاش العمومي المرتبط بالمناخ.
كيف تعيد الأزمات رسم حضور الخبراء في الفضاء العام؟
يجمع بين اليوبي ويوعابد خيط ناظم واضح: كلاهما إطار تقني اشتغل لسنوات داخل الإدارة بعيداً عن الأضواء، قبل أن تدفع به أزمة كبرى إلى الواجهة.
الأولى صحية أعادت تعريف العلاقة مع المعلومة الطبية، والثانية مناخية جعلت من النشرة الجوية حدثاً يومياً ذا حمولة اجتماعية واقتصادية كبيرة.
تُظهر التجربتان أن الأزمات لا تصنع فقط قرارات استثنائية، بل تصنع أيضاً وجوهاً مرتبطة بها في الذاكرة الجماعية.
فالمواطن، في زمن القلق، يبحث عن صوت يشرح ويطمئن ويفسر. وهنا يتحول الخبير من موظف تقني إلى وسيط بين الدولة والمجتمع، يحمل عبء المعلومة ودقتها في آن واحد.
وربما تكشف هذه الظاهرة عن تحوّل أعمق في علاقة المغاربة بالمعلومة العلمية؛ إذ لم يعد الاختصاص شأناً نخبوياً مغلقاً، بل أصبح جزءاً من النقاش العام. في زمن الأزمات، يخرج العلم من المختبرات والمكاتب، ويصعد إلى الشاشات… ومعه تصعد أسماء لم تكن معروفة، لكنها تصبح، لبرهة من التاريخ، عنواناً لمرحلة بأكملها.








