حوارات

“فوضى في حديقة الشيطان”.. رواية تعري معاناة أطفال مخيمات تندوف

في تفاعل إنساني وبحس أدبي عال خط الكاتب والروائي الأردني مصطفى القرنة روايته الجديدة “فوضى في حديقة الشيطان”. الرواية الصادرة حديثا عن دار “الرواية العربية” بعمان، والواقعة في 212 صفحة من الحجم المتوسط، اختار لها الروائي الأردني والرئيس السابق لاتحاد الكتاب الأردنيين الصحراء المغربية فضاء، ومعاناة المحتجزين في تندوف موضوعا، حيث تفاعل الكاتب مع فضاءين متضادين ومتناقضين على مدار الرواية: فضاء الصحراء المغربية بسعتها وجمالها وآفاقها الواعدة، وفضاء مخيمات الاحتجاز حيث القهر والحرمان والترحيل القسري. وركز القرنة في تناوله لقضية الصحراء المغربية وساكنتها على البعد الإنساني والوجداني، حيث اختار معاناة الطفل أحمد المحتجز في تندوف والمرحل قهرا إلى إحدى دول أمريكا اللاتينية نموذجا لتعرية أوضاع الطفولة المحتجزة في مخيمات العار.

في هذا الحوار الذي أجرته معه هسبريس يتحدث الروائي مصطفى القرنة عن تفاصيل وفصول كثيرة من روايته الجديدة “فوضى في حديقة الشيطان”.

صحيح أن كثيرا من الروائيين والأدباء والشعراء كانت الصحراء موضوعا أدبيا جذابا لهم، وفضاء طبيعيا يسكن وجدانهم، ومصدر إلهامهم ومحفزا لقريحتهم الأدبية، نظرا لما توحي لهم به الصحراء بطبيعتها من جمال وعظمة. بيد أن الباعث على اختياري للصحراء المغربية بالذات لا يشذ عما سلف، غير أنه في الوقت ذاته ينطوي على خصوصية تبرز في العمق التاريخي للصحراء المغربية. ذلك أن الصحراء المغربية ظلت عبر تاريخ المغرب تشكل العمق الاستراتيجي للمغرب وحصنه المنيع، كما أنها هي التي صنعت تاريخ المغرب وتقاليده، حيث بعد اطلاعي على تاريخ المغرب، وقفت على أن السلالات الحاكمة للمغرب كلها انطلقت في دعوتها الدينية والسياسية من عمق الصحراء المغربية نحو شمال المغرب، وظلت حريصة على ربط جنوب المغرب بشماله. بل أكثر من هذا، فإن السلالة الحاكمة للمغرب التي كانت لها علاقات وطيدة مع قبائل الصحراء كانت فترة حكمها أطول ومنعتها أقوى.

كما أن الصحراء المغربية تشكل، جغرافيا، امتدادا طبيعيا للتراب المغربي، كما هو الحال بالنسبة لدول الجوار. إن القوى الاستعمارية الدولية التي غزت المغرب، والتي عقدت اتفاقيات تجارية أو معاهدات سلام مع سلاطين المغرب، ظلت تعترف بالوحدة الترابية للمغرب، جاعلة الصحراء منطقة مشمولة بالاتفاقيات بمختلف مواضيعها.

الرواية تميط اللثام عن الوجه الإنساني والمأساوي لمحتجزي مخيمات تندوف الواقعة بالبلد الشقيق الجزائر. الأبعاد الإنسانية لرواية “فوضى في حديقة الشيطان” تظل حاضرة من البداية إلى النهاية، وتشكل حجر الزاوية، وبذلك تعطي الرواية خصوصية في تناولها موضوع الصحراء.

المجتمع الإنساني الدولي يوجد اليوم وقبل سنوات أمام حالة إنسانية جد حرجة تسائل الضمير الإنساني أولا، وتستفز شعور المنظمات الدولية الحقوقية والمجتمع الإنساني للتحرك العاجل لفك حالة الاحتجاز ومنع الترحيل القسري للأطفال، والعبودية والقهر والحرمان والاستغلال الجنسي للنساء، وتسول المساعدات الإنسانية باسم المحتجزين والمغلوبين على أمرهم من إخواننا العرب والمسلمين.

هذه الرواية تحمّل ضمنيا البلد الحاضن لمخيمات تندوف المسؤولية الأخلاقية والقانونية والتبعات الدولية لحالات الانتهاك الممنهج لحقوق الإنسان والتعتيم الإعلامي عما يجري في خيمات ساكنة الصحراء مثل حالة أم هدى والعم سالم وغيرهم كثير، خاصة أن السلطات القضائية الجزائرية تنازلت عن اختصاصها القضائي لفائدة قادة ميليشيات البوليساريو، الذين يرتكبون الموبقات ويعيثون في الأرض فسادا.

صحيح أن عددا من قرارات مجلس الأمن ظلت تطالب الجزائر بالعمل على تعداد وإحصاء عدد المحتجزين، وتحديد وضعهم القانوني: هل هم لاجئون أم محتجزون؟، وكذا التدقيق في كيفية تدبير المساعدات الدولية المتدفقة. لكن مع الأسف، لم يتجاوب النظام الجزائري مع هذه المطالب الإنسانية، ويستمر الحال على ما هو عليه إلى يومنا هذا.

هذه الرواية بصورها الدرامية أحيانا، وصورها الجمالية أحيانا أخرى، وبفضاءاتها المتضادة والمتناقضة، وبآمالها وآلامها، تأمل بإثارة اهتمام المجتمع الدولي إلى البعد الإنساني في هذا النزاع الإقليمي المفتعل، وإيلائه ما يستحق من متابعة حتى لا يضيع الإنسان في خضم الزخم السياسي والقانوني للقضية بالرغم من أهميتهما.

ما تسرده الرواية ليس ضربا من الخيال، بل هو الواقع الشاهد، الذي وقفت عليه من خلال مقابلتي بالصدفة، في عدد من الدول، لمحتجزين صحراويين فروا من المخيمات، وما يحكونه من معاناة وقهر وحرمان طالهم سنوات، إضافة إلى شهادة عدد من المنظمات الحقوقية الدولية والمجتمع المدني والصحافيين، الذين اخترقوا مخيمات تندوف بوسائلهم الخاصة، وصوروا خلسة بؤس وتعاسة المحتجزين الصحراويين، وكذلك قرارات مجلس الأمن التي نبهت قادة ميليشيات البوليساريو إلى حالات انتهاك حقوق الإنسان…

أبطال الرواية هم في واقع أشخاص التقيت بهم، كما أسلفت، وسمعت منهم وقرأت لهم. هم إذن أبطال حقيقيون تجرعوا ويلات الاحتجاز والتعذيب ومصادرة حرية التنقل بين مخيم ومخيم.

شخصية أحمد، بطل الرواية، لم يستسغ طبعا قرار قادة ميليشيات البوليساريو ترحيله قسرا إلى إحدى دول أمريكا اللاتينية لتلقي تداريب عسكرية وتلقينه إيديولوجية معادية للمغرب. والده كان يحاول إقناع أسرته بأن أحمد سيدرس ويتعلم بتلك البلاد البعيدة، ليتخرج طبيبا ولن يضيع مستقبله، كما كان مقتنعا بأن ابنه ذكي بما فيه الكفاية، وأنه سيفـطن إلى خطة قادة البوليساريو، وسيدبر حيلة ويعود إلى المغرب، الوطن الرحيم. أم أحمد تمثل الشخصية العاطفية، التي يعتصر قلبها الأسى والحزن، محاولة إقناع زوجها بالهرب من المخيم في اتجاه المغرب، متجاهلة الطوق المضروب على المخيم، ومتناسية تجهم الصحراء وقساوتها، وعيون قادة البوليساريو، والويل لمن يحاول الهرب.

فعلا، نجح أحمد وتخرج طبيبا، في الوقت الذي فشل كثيرون من أصدقائه، وبدا يبحث عن مخرج ووطن بديل مؤقت في أمريكا اللاتينية. لكن يظل حلم العودة إلى الوطن الغفور الرحيم يراوده ويسكن وجدانه. وفعلا هذا ما حصل، حيث تم لمّ شمل أسرة أحمد بمدينة العيون بعدما وجد والده وأمه وأخته حسنية فرصة للهرب من المخيم. من هنا يبدأ أحمد العمل الجاد من خلال وسائل التواصل الاجتماعي لفك حالات الاحتجاز عن مخيمات تندوف وفضح مظاهر العبودية والقهر والاستغلال.

مبدئيا، الفنون الأدبية برمتها لها رسالة نبيلة، ألا وهي خدمة الإنسان ليرتقي بكينونته وإنسانيته ويحفظ كرامته، وإلا ما جدوى الشعر والنثر والقصة والرواية…

وأنا كأردني مشرقي أتابع منذ سنوات قضية الصحراء المغربية من أقصى غرب العالم العربي، وقد لاحظت أن الجانب الإنساني في القضية لم ينل ما يستحق من العناية والاهتمام، حيث يكاد يضيع هذا البعد أمام الزخم السياسي والقانوني للقضية، ويغفل الناس عما يجري في مخيمات تندوف بالجزائر. هذه الأخيرة التي لا تمكن المنظمات الحقوقية ولا المقررين الخاصين للأمم المتحدة والمجتمع المدني من ولوج مخيمات تندوف والاطلاع على مظاهر التراجيديا التي لا تزال أطوارها جارية مع الأسف.

وكأن روايتي تحاول أن تقتحم الأبواب الموصودة لمخيمات تندوف، وتحاول أن تدخل خيمة من خيماتها التي تقطعت أجزاؤها وأصبحت باليو لتعري الواقع المخزي، والظروف اللا إنسانية لساكنة المخيمات. وما يزيد الوضع أسى وحزنا أن مشاهد البؤس بالمخيم وحالات الاحتجاز لا تزال مستمرة على تراب بلد شقيق. هي إذن مسؤولية قانونية ودولية وإنسانية لن نجامل القادة أشقاءنا في فصل القول فيها.

في الواقع لم أجد صعوبات في إنجاز هذا العمل الروائي، من حيث تصوير واقع مخيمات تندوف ومآسيه، لأن هذا أصبح أمرا واقعا، وحالة إنسانية شاهدة على نفسها، اللهم تلك الحالة النفسية من الحزن، الذي كان يعتصر قلبي وأنا أشاهد كيف يختطف بطلنا أحمد وينتزعه قادة البوليساريو من حضن أمه ودفء أسرته ليرحلوه قسرا إلى المجهول. لكم أن تشعروا بذلك لما تضعوا أنفسكم مكانه. إنها المعاناة.

كنت فعلا أتوقف عن الكتابة طيلة أيام إلى حين استرجاع أنفاسي وتهدئة روعي. لقد كنت أخط الرواية متخيلا أني أعيش داخل المخيم، وأحاول أن أصور الواقع تصويرا فنيا يحرك الشعور والأحاسيس، غير أن عزيمتي لم تضعف لأنني شعرت بأنه يتعين علي تبليغ الرسالة الإنسانية بأسلوب روائي لتحسيس الناس وإيقاظ نفوسهم ليهبوا جميعا لفك الحجز عن المحتجزين، الذين يتطلعون إلى الحرية في عالم الحرية اليوم. إنها فعلا حالة تظل شاذة.

وأنا أتابع كتابة فصول روايتي، كنت أحدث بعض أصدقائي عن هذا الوضع الإنساني المأساوي، وكانوا يشعرون بالحسرة ذاتها على إخوانهم العرب والمسلمين الذين يعيشون في الاحتجاز المهين.

وكنت أعزي نفسي وأواسيها لما أرحل إلى فضاء الصحراء المغربية، حيث سعة الصحراء والجمال والجلال وصفاء النفس وأصوات حبات الرمل الصادقة، والمنتجعات السياحية، حينها تطمئن نفسي إلى مستقبل واعد. صحيح أنهم يقولون إن العيش في المغرب أفضل من العيش في مخيمات تندوف، هذا السجن البئيس، ولا أدري كيف يمكن لذلك الطفل الذي ولد في خيام الشقاء والعبودية أن يتصور وجود حياة أفضل مما يعيشه، لأنه لم يبصر بعد أفضل مما يعيش فيه، ولم تتذوق بعد نفسه معنى حياة الجمال بمدينتي الداخلة والعيون.

وكأنني ختمت بسؤال استنكاري، أي فضاء يفضل الإنسان أن يعيش فيه إذا ما خيّر: هل هو فضاء حديقة الشيطان وفساد زبانيته، أم فضاء الصحراء المغربية؟

الاختيار المنطقي والتلقائي واضح، طبعا فضاء الصحراء المغربية، التي أضحت قبلة سياحية عالمية وقطبا حضاريا إفريقيا بامتياز.

فمتى يتمكن أطفال مخيمات تندوف من تجربة ولو مرة واحدة التزحلق على الماء أو السباحة في البحر؟… إنها الطفولة المحرومة تستنجد بكم.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى