كُتّاب وآراء

آيت أحمد القبائلي: KER A MISS WMAZIGH

تقوم الجزائر العسكرية اليوم كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، فهي محاصرة داخليا بحراك شعبي لا يكل ولا يمل، حراك أنضجته عشرات السنين من التسلط والنهب وانسداد الأفق أمام الشباب..حراك برهانات كبرى، داخلية ومغاربية ودولية، ومن هنا التجاهل الكبير الذي يواجَه به من طرف الاقتصاديات الكبرى التي تهمها مصالحها أولا، ولا ترى لها ضامنا أكثر من جنرالات عجزة ومتخشبين، مستعدين لبذل المزيد، ثمنا للصمت الدولي، والنظرة الشزراء إلى الطموح المدني الشعبي؛ وهي محاصرة، أيضا، بعجز اقتصادي يجعل شراء السلم الاجتماعي – على غرار النهج البوتفليقي – أمرا مستحيلا.

وثالثة الأثافي حصار الضربات المتسارعة والمتتالية التي باغتتها بها الدبلوماسية المغربية – في ملف الصحراء – بعد أن توهمت (الجزائر) لسنين أنها ألجأت المملكة إلى وضع الدفاع، ليس إلا، وحفظ الوجه..أما قاصمة الظهر فهي هذه “القبائلية” المنبعثة مغربيا، والتي انهمرت عليها وابلا لم تر له غيما ولم تسمع له رعدا..ستجري بها شعاب “الجرجورة”، وتستوي طوفانا، يقتلع أركان الدولة المسروقة ليعيدها إلى حضنها الشعبي وشرعيتها الثورية المدنية.

فليغضب جنرالات الغباء السياسي، اليوم، من دبلوماسية مغربية أصبحت تتحدث الأمازيغية القبائلية السياسية، وتنصب عشرة ملايين أمازيغي جزائري بهوية وتاريخ متميزين، وبجغرافية رائعة، بشرية، اقتصادية، جبلية وبحرية، تحوز كل مقومات الدولة المغاربية السادسة.

الصيف ضيعتم اللبن، وقطعتم كل حبال الأخوة والود؛ جمعتم كل شذاذ الآفاق في مخيمات لحمادة، وأقمتم بهم أكبر سجن بشري تحت الشمس، وزعمتم أنهم شعب صحراوي مضطهد، والحال أن الصحراويين، المغاربة الخُلص في مدن النماء والصفاء، يلعنونكم، مكذبين، صباح مساء.

فكيف بنا لا نفعلها وبين يدينا شعب قبائلي، تؤكد كل الدراسات – خصوصا الكولونيالية -أنه متميز وأصيل، نشيط وذكي، بل هو الجزائر النواة وعداه فروع وتلفيقات؟.

لقد ترزن المغرب وتعفف لعشرات السنين، كانت كافية لتستوي القبائل الكبرى، اليوم، مستقلة أو بحكم ذاتي على أقل تقدير، خصوصا والدبلوماسية المغربية وازنة دوليا كما تعلمون.

ألا يستحق هذا التروي الشكر؟
ما لكم كيف تحكمون؟

المرحوم الحسن الثاني وخلفه، يمينا، آيت أحمد بمعية قادة الثورة الجزائرية.

لقد اجتمع في هذا القائد التاريخي للثورة الجزائرية ما تفرق في القيادات الأخرى التي أخلصت للقضية، وظل وفيا لنهجه الثوري إلى أن وافته المنية، بعيدا عن وطن توفرت له كل الظروف التاريخية، السياسية، والاقتصادية ليمضي حرا، مدنيا، ديمقراطيا، ومغاربيا، لكنه لم يفعل.

حتى جغرافية الوفاة، بالنسبة لهذا الزعيم القبائلي، عمل ثوري مفتوح، لأنها، وإن أفضت فيها روح آيت أحمد، ستظل تسائل، متوترة، القوات الحية بالبلاد – حاضرا ومستقبلا- عن الـ”لماذا”؟ وعن أي مآل لكل هذا؟..
تسائل عن كل أبناء الثورة، البررة، الذين أهدرت دماؤهم، أو شردوا.

أيُّ سجن يتسع لآيت أحمد، لبوضياف وآخرين في تراب الجزائر المستقلة؟..

أي رصاص ثوري، وأية أياد تخنق هامات وقامات جزائرية جالدت المستعمر وجلدته؟..

كانت البدايات الثورية لآيت أحمد في ميعة الشباب (19 سنة) بـ”عين الحمَّام”، حيث تبوأ تلميذ البكالوريا الصدارة النضالية، بمنطقة القبائل الكبرى، ضمن “حزب الشعب الجزائري” الذي أسسه مصالي الحاج بالجزائر، في مارس 1937، بعد أن منع حزب “نجمة شمال إفريقيا”، الذي سبق أن أسسه بفرنسا.

رغم التفاف الشباب القبائلي: (الحسين آيت أحمد، علي لعمش، عمرو ولد حمودة، رشيد علي يحيى، عمر أوصديق، مبروك بن الحسين…) وقتها، حول الأهداف الأساسية لهذا الحزب، وخصوصا تحرير الجزائر، فإنهم لم يجدوا فيه صدى لمطالبهم الخاصة المتعلقة بالهوية الجزائرية، الثقافة واللغة الأمازيغية (البربرية حسب الاستعمال الجاري آنذاك).

سيكون هذا مدخلا لصراعات حزبية داخلية كثيرة انتهت بغلبة التيار العروبي الإسلامي، الذي كان واقعا تحت التأثير القومي البعثي، ومقولات الأمير شكيب أرسلان، الموجه الكبير لمصالي الحاج.

أفضى الصراع إلى النظر إلى “النزعة البربرية” على أنها خيانة للوطن، خصوصا وقد ظهرت ونشطت بفرنسا. جراء هذا اعتُقلت العديد من القيادات القبائلية، ونُكب التيار كلية غداة استقلال الجزائر.

هناك ملابسات كثيرة، لا يتسع لها المقام، تحيط بغلبة “الجزائر العربية الإسلامية” التي نادى بهام مصالي الحاج على ”الجزائر الجزائرية” التي آمن بها آيت أحمد ورفاقه الأمازيغ.

ثنائية مازال قطباها في صراع إلى اليوم، وفي التفاصيل تيار عروبي إسلامي كان ينحو نحو الاعتدال في مواجهة المستعمر، والاكتفاء أحيانا بمطالب إصلاحية فقط، بل وحتى المشاركة السياسية والانتخابية، وتيار بربري لم يكن يرى بديلا للعمل المسلح، ودفع الحزب دفعا صوب تأسيس “المنظمة الخاصة” سنة 1946، وهي الشهيرة بـos..ناب آيت أحمد – بداية- عن رئيسها، ثم ترأسها، لتنتهي قيادتها إلى أحمد بنبلة.

اشتهرت المنظمة، بالخصوص، بالهجوم على بريد العاصمة الجزائر، والاستحواذ على المبلغ المالي الأول- وقد كان مهما- الذي شكل عصب عملياتها ضد الكولونياليين.

يقول بوضياف(1974) مسجلا ما طرأ من تحول على حزب الشعب الجزائري: “شيئا فشيئا تميعت وطنية حزب الشعب الجزائري، بتأثير الأعيان، الخاضعين بدورهم لـ (نصائح) الاعتدال، الصادرة عن التيارات البورجوازية العروبية، مفرغة، هكذا، الحزب من

محتواه الثوري. هذا العمل التقويضي الإيديولوجي كان صادرا، بالتأكيد، عن قيادة الحزب”.
عن عمرو وردان:

La «crise berbériste» de 1949, un conflit à plusieurs faces

وعليه فالحسين آيت أحمد، القيادي التاريخي –ضمن آخرين- لجبهة التحرير، والمهندس –ضمن آخرين أيضا- لاندلاع الثورة الجزائرية، لا يمكن أن يخفي آيت أحمد آخر آمن بالقضية القبائلية، منذ أن نظَم، بمعية زميله آيت عمران (1945) النشيد “الوطني” القبائلي الأول:

KER A MISS WMAZIGH:..”انهض يا ابن الأمازيغي”.

نضال داخل النضال، ظل محفوفا بمخاطر شتى، وصولا، في بعض الفترات، إلى استسهال اتهام الزعيم، وكل التيار، بالخيانة، فالعدو الداخلي، المتمترس بكل الايدولوجيا العروبية، وحتى الدعم الحزبي المغاربي – العروبي الإسلامي بدوره- لم يكن يقل شراسة عن المستعمر، الذي أدرك منذ البداية أن أعتى رياح المقاومة هي التي ستهب عليه من أعماق الوعي الوطني القبائلي المبكر بجبال الجرجورة .

وعي مبكر، وانخراط قبائلي كبير في حزب الشعب الجزائري.. يؤكد هذا آيت أحمد نفسه بقوله (1983) في “MEMOIR D’UN COMBATTENT3 : “بعد أبريل 1946، كنت أشارك في اجتماعات المكتب الوطني التنظيمي للحزب، ممثلا لمنطقة القبائل، وقتها فقط اكتشفت أن من ضمن أربعة عشر ألف منخرط (14000) في الحزب بلغ عدد القبائليين عشرة آلاف(10000)، دون احتساب المتعاطفين. وقد تمكن الحزب من الصمود، ماديا، بفضل الدعم المنتظم للتجار، ومساهمات المنخرطين المتواضعة”.

عن عمر وردان.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى