جهات

“تيويزي”.. مبادرة شبابية تعتمد على العمل الجماعي للنهوض بإقليم تزنيت

تعتبر “تيويزي” واحدة من بين عادات الزمن الجميل التي تجسد أبهى صور التضامن والتكافل والتطوع المتجذرة ضمن الموروث الأمازيغي الأصيل. وتعني هذه العادة، التي ما زالت سائدة في الأوساط الشعبية إلى اليوم، القيام بعمل ما بطريقة جماعية مفتوحة في وجه مختلف الأجناس والأعمار وبعيدة كل البعد عن شيء اسمه المقابل المادي.

من هذا المنطلق، باشر مجموعة من شباب جماعات “أدرار” بإقليم تزنيت، منذ ما يزيد عن أربع سنوات، عملية تنزيل مبادرة “تيويزي” إحياء منهم لهذا الموروث؛ لكن بطريقة معاصرة بصمت على تميز كبير في مجالات جمع وتدبير النفايات المنزلية والمحافظة على النقوش الصخرية وصيانة المآثر التاريخية، ومكنت القيمين عليها من حصد “الجائزة الإقليمية للإبداع والابتكار” شهر يونيو الماضي.

وعن فكرة مبادرة “تيويزي”، قال رشيد أوبيه، منسقها، إنها جاءت انطلاقا من أن مشكل النفايات يعد تحديا كبيرا للكثير من الجماعات بإقليم تزنيت نظرا لغياب خطط أو حلول منطقية لتجاوزه، وتتخذ ردود الأفعال القليلة التي تقدم عليها بعض الهيئات طابع المحدودية والضعف أمام تزايد مستمر لحجم النفايات المنتشرة في الطبيعة سنة بعد أخرى، فضلا على أن السياسات المحلية في تدبير القطاع ترتكز على مراكز تشكل جزءا صغيرا جدا من تراب الجماعات؛ بينما يغيب الحديث عن هذه المشكلة في الدواوير التي يدق فيها الوضع ناقوس الخطر.

“وإضافة إلى الأضرار المعروفة والتأثير السلبي لهذه الأزبال في الصحة العامة والإضرار بالطبيعة والأشجار والتربة والمياه الجارية والجوفية، فإنها تؤثر أيضا بشكل سلبي وبشدة في جاذبية العرض السياحي للإقليم وتروج لسمعة سيئة للساكنة والمؤسسات لدى ضيوف الإقليم من مختلف الجنسيات. ويجب التذكير بأن أبرز نقط قوة تزنيت في قطاع السياحة هي مجاله الطبيعي الشاسع الذي يجب المحافظة عليه من كل أنواع التلوث”، يورد رشيد أوبيه في تصريح لهسبريس.

وأضاف المتحدث ذاته: “كمرشد سياحي أمارس الإرشاد في الفضاءات الطبيعية بالإقليم، تعرضت مرارا للإحراج بسبب اضطراري لسماع ملاحظات السياح حول هذه الظاهرة واستغرابهم من عدم محاولة أي أحد لوضع حد لهذا المشكل، خصوصا أن عدم التدخل بشكل عاجل يعني تفاقم المشكل وتعقيد الحلول في المستقبل. ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى هذه النفايات المتزايدة في الطبيعة بطريقة مختلفة؛ فهي مجموعة من المواد القابلة للتدوير، وبالتالي فإن جمعها وفرزها وإعادة تدويرها سيعود ببعض الموارد المالية لتغطية جزء من النفقات”.

وأشار أوبيه إلى أن من بين أهداف المبادرة أيضا محاربة البطالة وتوفير فرص شغل، من خلال خلق مشروع خدماتي عبر تنظيم حملات لجمع وفرز النفايات المتراكمة في الطبيعة وإضفاء اللمسات الجمالية التراثية في صياغة جديدة تتجاوز ضيق أفق الحملات التطوعية المحدودة النتائج وتركز على خلق أيام عمل لفائدة السكان وخلق مصادر قارة أو موسمية للدخل لفائدة الشباب والنساء.

وأوضح منسق مبادرة “تيويزي” أن المشروع سيضم باقة من الخدمات البيئية البديلة المتعلقة بجمع النفايات المتراكمة في الطبيعة والمراكز والأسواق والدواوير وفرزها لتسهيل عملية البيع للشركات المتخصصة في التدوير مع التفكير في خلق وحدة للتدوير مستقبلا، إضافة إلى تشذيب الأشجار وإنجاز أحواض لها وبناء حواجز حجرية وديكورات تقليدية ونصب تاريخية، إلى جانب تنظيم وتأطير حملات موازية للتوعية والتحسيس وإصلاح المدرجات ورسم الجداريات وإنجاز تشخيصات ميدانية وإعداد تقارير وأبحاث حول الوضع البيئي.

وفي جواب له عن طابع الإبداع والابتكار في مبادرة “تيويزي”، قال أوبيه: “إن الإبداع والابتكار لا يرتبط دائما بالجوانب التقنية والتكنولوجية؛ بل يتجلى في الكثير من الأحيان بأفكار بسيطة وحلول سهلة للمشاكل المعقدة. ونعتقد أن مشروعنا هذا يستجيب لهذه القاعدة الذهبية، بحيث ينتقل بنا من مشكل لا يختلف اثنان على راهنيته وخطره المحدقة بالصحة العامة وبالتربية الاجتماعية ويؤثر بشكل ثقيل على قطاع حيوي في الإقليم هو السياحة الإيكولوجية إلى حل بسيط للغاية يستمد مبادئه من العمل الجماعي وينبني على تشكيل فرق عمل ميدانية تتكفل بالتخلص من النفايات وتحويلها إلى فئات في حاجة إلى مصدر للدخل”.

واعتبر الفاعل الجمعوي ذاته أن فوز مشروع “تيويزي” بالجائزة الإقليمية الإبداع والابتكار هو “بمثابة قص شريط التدشين لمشروع طموح ونبيل، حيث سيمنحنا الفوز الثقة والحافز اللازمين للانطلاق واكتساب وسمعة طيبة منذ البداية، فضلا عما سيوفر لنا من حملة دعائية وتسويقية مبدعة وفرصة جيدة لإيجاد زبناء لخدمة يحتاج إليها الجميع في الإقليم ويكفي أن يسمعوا عنها”.

وأفصح رشيد أوبيه على أن عملا ضخما ينتظر المبادرة بالقول: “لنجاح هذا التحدي  لا بد من تضافر الجهود؛ فإذا كان واجبنا يتركز في العمل الميداني وتشكيل فرق العمل وتشغيل الشباب وتتبع الأشغال، فإن من واجب السلطات الإقليمية رصد الاعتمادات والضغط على المجالس المنتخبة محليا لتخصيص برامج شاملة لإشكال التلوث البيئي وتخريب المواقع الطبيعية والأثرية، وعلى رأسها ملاحات يهودية تحولت إلى مزابل، ومواقع نقوش صخرية تغرق في الواد الحار، وأبراج تاريخية وحدائق كولونيالية أصبحت مطارح عشوائية”.

“عموما نتطلع إلى إطلاق مقاولة بيئية مفتوحة في وجه جميع الراغبين في الاستثمار في هذا القطاع الواعد، سواء أمام رجال الأعمال والمنعشين الاقتصاديين وأمام الكفاءات المحلية والشباب والنساء. كما نسعى إلى لفت انتباه محيطنا والعالم إلى هذه الفرص الهائلة لخلق فرص العمل في مجال حيوي يرتبط ارتباطا شديدا بالصحة العامة والسياحة الإيكولوجية”، يضيف أوبيه في ختام تصريحه لهسبريس.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى