حوارات

الصمار: إصلاح شمولي غير مسبوق ينتظر المؤسسات والمقاولات العمومية

يقبل المغرب على إصلاح عميق لقطاع المؤسسات والمقاولات العمومية الذي يعاني وفق تشخيص رسمي من غياب الانسجام وتداخل المهام. وفي هذا الصدد، سيتم إحداث وكالة وطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع أداء المؤسسات والمقاولات العمومية.

حول هذا الورش المهم، يوضح عبد الرحمان الصمار، مدير المنشآت العامة والخوصصة بوزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، في الحوار التالي مع هسبريس، سياق هذا الإصلاح غير المسبوق وأبرز محاوره وأهدافه في أفق السنوات الخمس المقبلة.

ومعروف أن قطاع المؤسسات والمقاولات العمومية يضم وفق إحصائيات نهاية سنة 2020، حوالي 268 مؤسسة ومقاولة عمومية، بينها 225 مؤسسة عمومية و43 شركة مساهمة مملوكة بشكل مباشر من الخزينة، بالإضافة إلى 492 شركة تابعة أو مساهمة عمومية غير مباشرة.

وقد نتج عن تطور حجم المحفظة العمومية وجود تداخل في المهام في بعض الأحيان بين المؤسسات والمقاولات العمومية أو مع البنيات التابعة للقطاعات الوزارية نتيجة الإبقاء عليها رغم إحداث مؤسسات جديدة، وهو ما قلل من فعاليتها وأدائها.

كما تعلمون، أعطى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده تعليماته السامية المتعلقة بضرورة الإسراع بإطلاق إصلاح عميق للقطاع العام، وإحداث وكالة وطنية مهمتها التدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة ومواكبة أداء المؤسسات العمومية، وذلك بمناسبة خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2020، وكذلك من خلال الخطاب الملكي السامي الموجه إلى البرلمان بتاريخ 9 أكتوبر 2020.

تطبيقا لهذه التوجيهات السامية، تم تكثيف الجهود من أجل صياغة مشروع القانون-الإطار رقم 50.21 المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، وكذا مشروع القانون رقم 82.20 الذي يقضي بإحداث الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية. وقد تمت صياغة هذه المشاريع القانونية، انطلاقا من الرؤية الإصلاحية لصاحب الجلالة حفظه الله التي تروم التسريع الاقتصادي ونجاعة المؤسسات وتكريس مثالية الدولة وبناء اقتصاد قوي وتنافسي يحفز المستثمرين والمبادرة الخاصة وخلق مناصب الشغل.

وللإشارة، فقد تمت المصادقة من لدن البرلمان بغرفتيه على مشروع هذا القانون-الإطار، وعلى مشروع القانون رقم 82.20 المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية.

ومما لا شك فيه أن اعتماد هذين المشروعين يشكل لحظة متميزة في التشريع المغربي وسابقة تاريخية بالنظر إلى أنه لأول مرة في تاريخ المغرب يتم إجراء إصلاح شمولي ومندمج لقطاع المؤسسات والمقاولات العمومية، علما أن الإصلاحات السابقة كانت جزئية وتقتصر في مجملها على المراقبة المالية، واعتبارا لاعتماد آلية القانون-الإطار التي أتاحها دستور المملكة لسنة 2011 من أجل وضع خارطة طريق واضحة المعالم تمكن الفاعلين المعنيين من تنزيل الإصلاحات الضرورية لتوطيد الدور الاستراتيجي للمؤسسات والمقاولات العمومية عبر:

– تحقيق الانسجام في مهامها.

– الرفع من كفاءتها الاقتصادية والاجتماعية.

– تعزيز توازن نماذجها المالية وترشيد اللجوء إلى ميزانية الدولة.

– تطوير الممارسات الجيدة في مجال الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

– تعزيز مثالية الدولة وعقلنة تدبيرها.

وتتمثل الغاية القصوى من هذا الإصلاح في معالجة الاختلالات الهيكلية التي تشوب أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، على الرغم من إسهاماتها المتعددة في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية في مجالات البنية التحتية والخدمات العمومية والتموقع الدولي لبلادنا.

لقد تطور حجم المحفظة العمومية ليبلغ في متم سنة 2020، 268 مؤسسة ومقاولة عمومية، بينها 225 مؤسسة عمومية و43 شركة مساهمة مملوكة بشكل مباشر من الخزينة، بالإضافة إلى 492 شركة تابعة أو مساهمة عمومية غير مباشرة.

وقد نتج عن تطور حجم المحفظة العمومية وجود تداخل في المهام في بعض الأحيان بين المؤسسات والمقاولات العمومية أو مع البنيات التابعة للقطاعات الوزارية نتيجة الإبقاء عليها رغم إحداث مؤسسات جديدة، إضافة إلى تبعية المؤسسات والمقاولات العمومية ذات الطبيعة غير التجارية للميزانية العامة للدولة، حيث إن أكثر من 33 مليار درهم تم أداؤها برسم الدعم العمومي لهذه المؤسسات خلال سنة 2020.

بالتالي، ومن أجل ترشيد حجم المؤسسات والمقاولات العمومية وتأطير تطوره، يتعين، كما تم التنصيص على ذلك بموجب القانون-الإطار، القيام بعدد من عمليات إعادة الهيكلة للمؤسسات والمقاولات العمومية، وفق مقاربة تدريجية وتشاركية، تروم أساسا:

– تحويل المؤسسات العمومية ذات الطبيعة التجارية إلى شركات المساهمة.

– تجميع أو إدماج المؤسسات والمقاولات العمومية العاملة في القطاع نفسه أو التي تمارس مهاما أو أنشطة مماثلة.

– حل وتصفية الهيئات التي لا تساهم بشكل ملموس في تحقيق القيمة المضافة أو التي أصبحت مهامها متجاوزة، مع ربط إطلاق هذه العمليات بالتقييمات الضرورية.

– ضبط وتأطير عملية إحداث المؤسسات والمقاولات العمومية الجديدة عن طريق وضع معايير صارمة وإرساء قواعد واضحة لهذا الغرض.

يصل عدد المؤسسات العمومية ذات الطبيعة التجارية إلى 71 مؤسسة، أي بنسبة 26،5 % من المحفظة العمومية، وتصل هذه النسبة إلى 42،55% إذا أخذنا بعين الاعتبار 43 مقاولة عمومية تمارس أنشطة تجارية. وقد بلغت مساهماتها في الميزانية العامة للدولة برسم سنة 2020 حوالي 14 مليار درهم.

تساهم التحويلات المالية من الدولة لفائدة المؤسسات والمقاولات العمومية بشكل فعال في تمويل استثمارات وتسيير هذه الهيئات، حيث بلغت الإمدادات المالية في مجموعها حوالي 33 مليار درهم في متم سنة 2020، منها حوالي 28 مليار درهم لفائدة المؤسسات والمقاولات العمومية ذات الطابع غير التجاري، وحوالي 5 مليارات درهم لفائدة المؤسسات والمقاولات العمومية ذات الطابع التجاري. ويتبين بالتالي أن الدعم المالي العمومي يوجه أساسا للمؤسسات والمقاولات العمومية ذات الطابع غير التجاري، أي بنسبة 85% نتيجة لتحمل الدولة للتكاليف المرتبطة بمهام المرفق العام.

تتوفر المؤسسات والمقاولات العمومية على ثروة هامة، كما تلعب دورا أساسيا في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لبلادنا، باعتبارها فاعلا استراتيجيا في تنفيذ السياسات العمومية والاستراتيجيات القطاعية للدولة، لا سيما من خلال رقم المعاملات الذي بلغ حوالي 240 مليار درهم، وحجم الاستثمارات الذي من المتوقع أن يبلغ حوالي 70 مليار درهم، وذلك على الرغم من صعوبة الرؤية بسبب تداعيات الجائحة، إضافة إلى حجم مساهمتها في:

– التحويلات المالية لفائدة الميزانية العامة للدولة.

– إنجاز المشاريع المهيكلة في مختلف القطاعات والمجالات، لا سيما البنية التحتية والطاقة والنقل، كالطرق السيارة والسكك الحديدية والموانئ والمعادن، والفلاحة، وبرامج فك العزلة عن العالم القروي في مجالات الماء الصالح للشرب والكهرباء والطرق القروية، وكذا المجالات الاجتماعية والصحة والتعليم.

– التنمية الاقتصادية والاجتماعية على المستوى الترابي والمجالي، من خلال التوزيع الجهوي لمشاريعها واستثماراتها وفرص العمل.

تبقى المؤسسات والمقاولات العمومية ذات الطبيعة التجارية مرجعا أساسيا نظرا للدور الاقتصادي والمالي لهذه الهيئات فيما يخص أداء ونجاعة نماذجها الاقتصادية التي ترتكز على مؤشرات موضوعية.

ومن بين هذه المؤسسات والمقاولات العمومية ذات الطبيعة التجارية، نجد المجمع الشريف للفوسفاط الذي بلغ رقم معاملاته في متم سنة 2020 حوالي 56 مليار درهم وعدد مستخدميه حوالي 20.000 مستخدم، والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب الذي وصل رقم معاملاته إلى حوالي 37 مليار درهم وعدد مستخدميه إلى حوالي 18.000 مستخدم خلال السنة نفسها، إضافة إلى صندوق الإيداع والتدبير والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية.
ما الهدف بعد خمس سنوات من بدء إصلاح القطاع العمومي؟

لقد تم تحديد أجل خمس سنوات من أجل تنفيذ عمليات إعادة هيكلة المؤسسات والمقاولات العمومية بشكل تدريجي وفق الأولويات التي يتم تحديدها، في أفق الوصول إلى:

– محفظة عمومية بحجم مضبوط.

– مقاولات عمومية تتوفر على نماذج اقتصادية ومالية صلبة.

– تموضع أكثر إيجابية وفعالية على مستوى سلسلة القيم.

– حكامة أفضل وشفافية أكبر في تدبير المؤسسات والمقاولات العمومية.

وفي الختام، وجبت الإشارة إلى أن القانون رقم 82.20 الذي يقضي بإحداث الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، سيمكن من اعتماد رؤية استراتيجية واضحة المعالم وإرساء آلية لتدبير دور الدولة المساهمة؛ حيث ستلعب الوكالة دورا أساسيا في تفعيل هذه الرؤية الاستراتيجية من خلال السياسة المساهماتية التي يتعين إرساؤها بمقتضى القانون-الإطار رقم 50.21 المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى