سياسة

السويني: العقل الرسمي المغربي يفتح المجال أمام “نخب القطار السريع”

يرى المنتصر السويني، باحث في القانون العام والشؤون السياسية، أن المغرب بلد ينتمي لخانة الدول التي تواجه صعوبات الحاضر والمستقبل من خلال الإصلاح والتغيير من داخل المؤسسات المستقرة، “وبالتالي، فإن التغيير في المغرب الحديث لا يتم من خلال الثورات كحالة بعض الدول، ومنها فرنسا، بل من خلال الإصلاح والتحديث”.

لهذا، وفق الجزء الأول التقديمي من سلسلة مقالات للسويني، فإن المتتبعين للشأن المغربي انتظروا أن يراهن العقل الرسمي المغربي في مواجهة أزمة كوفيد على تفعيل ما يطلق عليه بقوة الحكم من خلال الاعتماد على العقل.

كما يوغل الباحث في استيعاب المؤسسة الملكية بالمغرب لمبدأ الحكامة بشكل عميق، موردا الكثير من التفاصيل حول الموضوع وما يحيط به.

قال الإمبراطور والفيلسوف الروماني مارك أوريل: “أتمنى أن أمنح القوة لتحمل الذي لا يمكن تغييره، والشجاعة لتغيير ما يمكن تغييره، وكذلك الحكمة للتفريق بين ما يمكن تغييره وما لا يمكن تغييره”.

في مقالة له بمجلة “القيم الحداثية” لشهر ماي 2021، يقول فرانك فيروند: “إن المجتمعات كالأنظمة المعلوماتية عليها أن تقوم بالتحديث الذاتي والمتواصل، فالمجتمعات الرقمية يفرض عليها التحديث كالأدوات المعلوماتية التي تفرض عليك بشكل متواصل تفعيل خدمة التحديث”.

يقول الاقتصادي النمساوي الشهير جوزيف شومبيتر فيما يخص العلاقة بين نخب التكنوقراط والديمقراطية: “ليس المطلوب من نخب التكنوقراط فقط الفعالية في إنجاز مهامها والقدرة على تقديم النصيحة للطبقة السياسية، بل المطلوب منها أن تتمتع بالقوة من أجل قيادة رجال السياسة”.

الاقتصادية الأمريكية المتميزة ديدر ناسين ماكلوسكاي المتخصصة في تاريخ الاقتصاد، في كتابها الجديد الذي يحمل عنوان “تحسين الوضعية الإنسانية”، عملت قامت بقراءة نقدية لأعمال آدم سميت من خلال كتابه الشهير “ثروة الأمم” وكتابات كارل ماركس وكتابات طوماس بيكيتي.

الخلاصة التي توصلت إليها هذه الكاتبة تتمثل في كون ثروة الأمم لا تعتمد على تجميع الثروة والرأسمال المادي كما اعتقد جل الاقتصاديين منذ القرن الثامن عشر، بل إن التاريخ يثبت أن ثروة الأمم تقاس من خلال الأفكار الجديدة أو ما أطلقت عليه الباحثة “المادة السوداء في التاريخ”. لهذا السبب، فإن الفكر الاقتصادي بالنسبة لهذه الباحثة عليه أن يركز اهتمامه ليس على تطور تصرفات الأشخاص، بل عليه أن يهتم بركائز البوصلة الأيديولوجية والفلسفية الجديدة.

أزمة كوفيد جعلت المتابعين يركزون اهتمامهم على نوعية الأفكار التي يحملها قادة الدول، حيث إن المتابعين والمهتمين كانوا يربطون سمو الموقع القيادي لرؤساء الدول بضرورة سمو نوعية الأفكار التي يقترحها هؤلاء القادة من أجل الخروج ببلدانهم من نفق الأزمة.

الشعوب في الدول المختلفة كانت تنتظر من قادتها فعلا عموميا يرقى إلى مستوى سمو مركزهم (رأس هرم الدولة) ولا محدودية سلطاتهم. وفي هذا السياق، أبرزت أزمة كوفيد تفاوت قوة الحكم من بلد إلى آخر؛ ففرنسا مثلا أثبتت للمتتبعين كيف أن قوة الحكم فيها قد ضعفت، وهو ما أكده فرانسوا بايرو عندما قال إن الدولة في فرنسا كانت متأخرة عن القيام بفحوصات الكشف عن الفيروس وفشلت في محاصرة الأماكن الموبوءة وتعطلت كثيرا في توزيع الكمامات.

مجلة “لوبوان” الفرنسية لم تتردد في افتتاحياتها الحديثة في طرح السؤال التالي: هل سيبقى الرئيس ماكرون طويلا في الفراش؟ في إشارة إلى عجز الرئيس الفرنسي عن النهوض والفعل والحركة، بل وذهب كتاب افتتاحيات آخرون إلى التأكيد أن الرئيس الفرنسي يشكو من آلآم في رجليه، وبالتالي لا يستطيع الوقوف رغم أن الحكم يتطلب الرجال الواقفين لأننا لا نحكم ونحن ساجدين. رئيس المجلس الأعلى للحسابات بفرنسا بيير ماسكوفسي أكد هو كذلك عجز الطبقة السياسية في فرنسا عن تدبير أزمة كوفيد عندما قال: “لا تحملوا المسؤولية للأزمة الصحية، فالحقيقة تتمثل في أن أزمة العجز والمديونية في فرنسا ناتجة عن غياب المتابعة والحكامة، مما سبب تفاقم أزمة العجز والمديونية”.

في إيطاليا استنجدت الطبقة السياسية الإيطالية بالتكنوقراطي البنكي ماريو دراغي الذي قاد البنك الأوروبي في أوج الأزمة واستطاع قيادة سفينة المالية الأوروبية إلى بر الأمان. وفي أمريكا لم يتردد ترامب في وصف المرشح الأمريكي الديمقراطي جون بايدن بـ”بايدن النائم”، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي بايدن وفريقه إلى رفع شعار “يجب العمل والعمل حالا”، ودفعه كذلك إلى استخدام الحوامة التي توزع الأموال على المواطنين، مما يثبت أن شاشات الإعلام الدولي كانت مركزة على نوعية الأفكار والحلول ونوعية الجهد الذي تقدمه الرئاسيات التنفيذية لمواجهة الأزمة.

في المغرب، البلد الذي ينتمي لخانة الدول التي تواجه صعوبات الحاضر والمستقبل من خلال الإصلاح والتغيير من داخل المؤسسات المستقرة؛ وبالتالي، فإن التغيير في المغرب الحديث لا يتم من خلال الثورات كحالة بعض الدول، ومنها فرنسا، بل من خلال الإصلاح والتحديث، انتظر المتتبعون للشأن المغربي أن يراهن العقل الرسمي المغربي في مواجهة أزمة كوفيد على تفعيل ما يطلق عليه بقوة الحكم من خلال الاعتماد على العقل.

المؤسسة الملكية بعد دستور 2011 كانت تعمل على ترسيخ وتحديث المستويين الأساسين من الحكم، مستوى الحكامة السياسية (المكون من المؤسسة الملكية-مجلس الوزراء-البرلمان-الحكومة). وبالتالي، كان رهانها على تحسين هذا المستوى من خلال الحضور النوعي للمؤسسة الملكية من خلال الأفكار والمشاريع والإبداع، كما أن المؤسسة الملكية لم تكن غافلة عن أن الأفكار ومستوى الحكامة الاستراتيجية والتقريرية في حاجة إلى تنزيل جيد على الأرض، استراتيجية الحضور كان يتم تفعيلها من خلال تنزيل الجهوية المتقدمة ومستوى حكامة القرب من خلال حضور مؤسسة الولاة والعمال والقواد وأعوان السلطة (المقدمين).

الاهتمام بمستوى ونوعية الأفكار على مستوى الحكامة السياسية الأول، كان يثبت أن المؤسسة الملكية لها اقتناع راسخ بأن الحكم لا يتمثل فقط في حل مشاكل تنظيم الدولة والتوزيع الفعال للموارد والتخطيط للفعل في الزمن، بل إن الحكم يتمثل أولا في جعل العالم واضحا ومنح وسائل للتحليل والاستنتاج، مما يمكن الأشخاص الذاتيين والأشخاص المعنويين من معرفة البوصلة؛ وبالتالي، التصرف بشكل فعال.

من المعروف أن الاعتماد على الأفكار داخل المستوى الأول للحكامة السياسية في البلد، أو ما سمته الاقتصادية الأمريكية بالمادة السوداء في التاريخ، يبقى مرتبطا ارتباطا وثيقا بالانفتاح على نخب الأفكار ونخب السرعة ونخب المشاريع ونخب النتائج؛ وبالتالي، الاهتمام بطبيعة ونوعية الكتلة النخبوية المرتبطة بالعقل المركزي للدولة وتفعيل السلطة الأساسية التي تمكن رؤساء الدول في العالم من التسلح بالنخب النوعية، وهي تفعيل سلطة التعيين (تعيين اللجان-تعيين الأشخاص).

تحسين نوعية النخب المشكلة للكتلة النخبوية من خلال سلطة التعيين، يعمل على تحسين مستوى اتخاذ القرار ويكسب الدول مكاسب مهمة من خلال تحسين المستوى التنافسي (الأزمة مع ألمانيا وإسبانيا مرتبطة في جزء منها بتحسين المستوى التنافسي، وفي هذا السياق يفهم محتوى الرد المغربي من خلال عبارة: انتهى زمن التلميذ والأستاذ). لهذا، عمل العقل الرسمي المغربي على تعزيز موقع نخب الأفكار ونخب الإبداع من خلال الانتقال من الاعتماد على نخب التيتانيك إلى فتح المجال أمام نخب القطار السريع.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى