كُتّاب وآراء

الأبعاد الشعرية في ديوان “نديم الطير”

“حقيقة المحبة.. أن تهب لمن أحببت كُلّك ولا يبقى لك منك شيء” جلال الدين الرومي

يتكون ديوان “نديم الطير” من 13 قصيدة، جل عناوينها ذات حمولة صوفية (إشارة، سفر، عشق، هيام، وصال، تهجد، مدام الحبيب، الحضرة، مواقف، إبدال، سالك…). ويتعزز هذا البعد الصوفي بمعجم يستقي نفَسه ودلالاته من ذات الحوض اللسني الذي يخترق الديوان بكامله (خرَق، البلاء، السريرة، الحيارى، التيه، الغيوب، المعارج، الظنون، الفقر، لوعة، السكرة، المجاذيب، كومة..)

يلجأ الشاعر مصطفى ادزيري إلى التصوف باعتباره موضة وأحد مآزق الحداثة كما يعلمنا أدونيس، ولا كهروب من واقع لا يتسع لقلق الشاعر، إنه ابن الحقل الصوفي شعرا وحياة، من أصوله ونشأته، وهو القريب من مداغ سكنا وإقامة وولعا، إذ ظل يحضر احتفالات الطريقة البوتشيشية ومثَل أكثر من مرة بين يدي شيخها حمزة.. بل إن أطروحة الدكتوراه التي أخذت ثلث عمره كانت حول موضوع التصوف، وخزانته الباذخة تضم جل المصنفات الأساسية لكبار رجالات التصوف والنقاد الذين اهتموا بالظاهرة الصوفية وتأريخها..

بشكل استثنائي، يعود مصطفى ادزيري إلى استعادة الخط المغربي العتيق في تشكيل قصائد ديوان “نديم الطير”، ما يذكرنا بتجربة أعضاء مجلة “الثقافة الجديدة” محمد بنيس، أحمد بلبداوي والراحل عبد الله راجع، مع ما صاحب ذلك من جدل ثقافي باذخ حول دلالات استخدام الخط المغربي، ومحاذير استعادة الجانب الميتافيزيقي والتقليدي لهذا الخط في القصيدة المغربية المعاصرة.

تبدو الصفحة مثل جسد يحتفي بالوشم، وشم الحرف الذي خطه المبدع التشكيلي والخطاط إبراهيم حمامي، بتموجاته يسبح في بياض الصفحة الشعرية، خالقا عوالم متداخلة الأبعاد. هذا البعد الكاليغرافي يمنح حياة إمبراطورية لعالم الدلالة، فالخط كما يقول عبد الله بن عباس “لسان اليد”، و”ترجمان الإنسان” و”حلية الكتب” بتعبير عبد الحميد الكاتب، وكلما كان باذخا فهو” سمط الحكمة وبه تفصل شذورها وينتظم منثورها” كما قال جعفر بن يحيى، وبحكمة الفيلسوف وخبرة العالم يرى أُقليدس “الخط هندسة روحية وإن ظهرت بآلة جسمانية”.

ليس الخط هنا مجرد تجسيد للحروف وصورة للكلمات، إنه تجربة إبداعية ذات دلالات فكرية وجمالية تستقي وهج حياتها من التصوف ومن هذا التآلف والتآخي بين الصورة والدلالة، المادة والروح، السماوي والأرضي، الناسوت واللاهوت، هذا الهوس الذي جمع شاعرا وخطاطا تشكيليا في بوتقة “نديم الطير”، كلاهما يقول الآخر بالصناعة التي يتقنها ويملك زمام آلتها؛ مصطفى ادزيري الشاعر وإبراهيم حمامي التشكيلي..

يرقص الحرف في جذبة الكلمات، تنتشي الحروف وهي تتمايل بغنج على جسد الصفحة الشعرية في محاكاة لما يعتمل في فرن الذات/ الباطن بلغة التصوف من آلام وآمال، من انتصارات وانكسارات، من حال الجذبة الصوفية في حضرة هذا الذي لا يطاله خيال، من الانشداد إلى الواقع المادي وأمل في الانفلات من جاذبية العالم السفلي والسباحة في برزخ وملكوت العالم العلوي..

تعكس لوحة الغلاف المخاض الذي صاحب السديم الأول، هبة الفراغ، الأصل الأول للنشأة، ما بعد خراب الزلزال يبدأ البناء، التشكل، العمران.. يمتد التشكيل الكاليغرافي للفنان إبراهيم حمامي بتموجاته الساحرة على بياض الغلاف، تشكيل بالنيلة، بلون الغمام، الرمادي كرمز للغيوم، أصل الماء الذي “جعلنا منه كل شيء حي”، الرمادي كرمز للفناء، للطير الأسطوري الذي ينبعث من موته أرقى وأقوى، الشيبلغ الفارسي، العنقاء العربية، والفنيق اللاتيني..

في البدء كان الحرف، الكلمة، وكان الشعر، لذلك تتخذ التشكيلات الكاليغرافية من خلال تطويع الحرف لجسد الغلاف، شكل “طير”.. كما لو أن التشكيلي حمامي، ظل وفيا لأصول اسمه، ووضع عمق روحه في هذه التشكيلات التي تحتفي بالطير من خلال إعادة صهر الحروف، إلى جانب روح قصائد “نديم الطير”، حيث يعيد المبدع التشكيلي الحرف إلى أصوله الأولى ذات الطبيعة المادية.. جسدا وصورة، قبل أن يتعرض لعملية التجريد، لكنه بملمس خاص يتغيى الاشتغال على العلاقة الحميمة بين الحرف والجسد، ولعل هذا هو السر في اختيار حمامي مادتين أصيلتين: النيلة والصمغ، لتشكيلاته الكاليغرافية في صورة وخط ديوان “نديم الطير”..

النيلة ذات اللون الأزرق الذي يتجسد في الغلاف بشكل أقرب إلى الرمادي لون الغمام، الذي يمنح تلك الصلة الطبيعية بين السماء والأرض من خلال رمزية الماء؛ ولذلك تحدث القدامى عن ماء النص ورونقه وبهائه، فمادة النيلة تحيل على الأعالى، السماوي، الروحاني.. فيما الصمغ الذي يميل لونه إلى التراب، اللون البني يحيل على الأرض، العالم السفلي. إن الأمر أشبه بمحاكاة الحالة التي يعيشها المتصوف في الصراع المستمر بين الإنساني والإلهي، الأرضي والسماوي، المادي والروحاني، العلوي والسفلي، لذلك يقيم التشكيلي إبراهيم حمامي، ومن خلال لوحة غلاف ديوان “نديم الطير”، حوارا مستمرا بين النيلة والصمغ، الأزرق والبني، الترابي والسماوي، وحوارا بين شكلين: الدائري والهندسي، الدائرة تحيل على كل المخلوقات الإلهية/ الطبيعية، والهندسي (خاصة المربع والمستطيل) يمثل إبداعا إنسانيا كما تمثله لوحة الغلاف، وعموم الإبداعات التشكيلية للفنان إبراهيم حمامي.

ثم يأتي الطير، كمكون أساسي في عنوان الديوان بإيحاءاته الدينية والميثولوجية الباذخة، من الغراب الشاهد على أول جريمة قتل في تاريخ البشرية، الذي علم الإنسان (قابيل) دفن الجثة لإكرامها أو إخفاء لأسرار الجريمة في جوف الأرض، إلى هدهد سليمان الذي أتاه بالنبأ العظيم عن بلقيس ملكة سبأ، إلى طير أبابيل التي رمت جيوش أبرهة الحبشي بحجارة من سجيل، والطيور الخرافية التي يزخر بها الأدب العالمي من العنقاء إلى الرخ والفنيق..

يحدد مصطفى ادزيري منذ صفحة الغلاف جنس وهوية منتجه الإبداعي كشعر، ويرسم أفق تلقيه؛ اختار له عنوان “نديم الطير”، الذي يحيل على ديوان فريد الدين العطار “منطق الطير”. وهناك دواوين شعرية عديدة تمتح من نفس العنوان الأصلي، أذكر منها ديوان “خبط الطير” لمحمد بشكار، “طير الله” لمراد القادري و”خلوة الطير” لعائشة البصري… وجل هذه العناوين تستوحي رمزيتها بشكل أو بآخر من هذه البنيات المرجعية العميقة مثل ديوان “منطق الطير” لفريد الدين العطار (ترجمه إلى العربية بديع محمد جمعة)، و”رسالة الطير” لابن سينا و”رسالة الطير” للغزالي، وتستحضر أيضا مسرحية “العصافير” لأرستوفاتس.

“نديم الطير” عنوان المجموعة الشعرية يعلو سماء صفحة الغلاف يسبح في ملكوت البياض، نديم مفرد معرف بالإضافة، وهو مشتق من الندم، إذ إن تقديم الديوان بمقولة “كشاجم” التي تقول: “أخبرني جماعة من الموثوق بهم في اللغة أن العرب إنما سمت النديم نديما لأنه يُندم على فراقه”، يعتبر بمثابة تكثير وتعديد للمعنى الذي يستعمل به الشاعر هذا المفهوم.. النديم هو الخل، الصاحب، الرفيق الحلو المعاشرة الذي تحس بمرارة فراقه، وقوة الفقد عند رحيله.

يأتي ديوان “نديم الطير” ليزكي خيارات الشاعر مصطفى ادزيري منذ ديوانه الأول “كتاب الخرَق”، محملا بلغة شعرية شفيفة وحس جمالي يعكس ذائقة فنية متميزة، تطارد هذا الذي لا يقال، البعيد رؤية ورؤيا، كما في قصيدة عشق (ص 30):
“يسبل

الغزال العينين

يرى ما لا ينقال”

وفي قصيدة “الحضرة” حيث يمثل أمام ذي الجلال (ص 84):

“قال لي: انظر وتمعن

فيك وحولك ما تراه وما لا تراه

ما يحيط به الحرف وما

لا يحيط به الحرف

جرار وكؤوس وفنان

فيها سكبت عتيق نبيذي

فاشرب”.

ليس في نديم الطير غير السمو، حوار الأعالي، حيث يسبح الطير، القمر، الجبال السامقة، الشواهق، البرزخ، طلاسم الغيب، السموق، السحاب والغيم.. والشاعر يبدو مأخوذا بلغز هذه العوالم الساحرة يطوف بين جنائن سرية ومروج محجوبة:
”كيف يحدث

أن تلبسني الغيوم

عاليا عاليا بي تطير

وأصير سيمرغا

تظلله الزرقة

كل حين ومن ريشه

تنتقي النجمة للغيمة

عذب الكلام

كيف يحدث

أن يلبسني السنا

من بعيد بطيوفه الساحرة

وأصير فراشا” (ص 73/74).

حيث يبدو نفَس المعري في “رسالة الغفران” وعوالم “الكوميديا الإلهية” لدانتي حاضرة في لاوعي النص، كما يحضر الخيام، السهروردي، فريد الدين العطار، ابن الفارض… كبنية مرجعية، لكن في أفق مغاير تحكمه أسئلة الحاضر وقلق الذات الكاتبة في زمن مغاير ورؤيا شعرية تمتح من زخم النصوص وتفاعلها ومن السياقات الذاتية والجمعية لزمن المبدع:

“يراع جميل

المحيا

إلى غابة الليل

يزحف بي

يعلمني

كيف أوقد

النار

في جسدي

أجعل

عتمة

هذا

الكون

ضياء” (ص 35)

وفي قصيدة لهفة نقرأ:

“لهفة لافحة

تقود المواجع نحو الحطام

والتجلي يظل بعيد المنال

اقترب يا نديمي

وقدني إليه

فبعض البصيرة صار

عماء”. (ص 55)

إن السمو والصعود لا يكون فقط نحو الأعالي، بل في مدارج الهبوط أيضا، الوصول إلى نسغ الأصل الأول الذي فاضت عنه الأشياء والكائنات والكلمات والاستقصات الأربعة..

“بذرة بي تسافر

في غور

الأرض

تعلمني

كيف أرى

ما لا تراه العين

كيف تقاس المسافات

بين البذرة في حضن

التراب

ووجه الهواء” (ص 39).

من العنوان يبدو الطابع الحواري للنص جليا، فالنديم هو الصديق الملازم الذي يوقظ السؤال والبسمة والكلام والألفة في الأشياء والكلمات.. لا يستقيم وجود النديم خارج الحوار الذي يبلغ ذروته في قصيدة “اعتراف”:

“للقصيدة قال المدام

أما ماؤك لولاي

ما مالت حروفك

ما أشرقت إشاراتك

ما سالت معانيك

للمدام تقول القصيدة

سناك أنا، لولاي كنت العتمة

ما سرى دبيبك

ما صرت ترياقا

للروح والخيال

لولاي ما تحررت

من خوابي العبارة

في مملكة الأشربة” (ص 26/27).

في قصيدة “عشق”، نعثر على ذلك التناغم الذي يتقطر شاعرية في حوار بين مصيدة وغزال، مناجاة آسرة مكثفة العبارة واسعة الدلالة تجعلنا مثل غزلان/ قراء نقع في غواية المصيدة/ القصيدة:

“هي

تفتح صدرا

في غنج

تشرع اليدين

تبسط اللسان

بين العشب

وبين الماء

هو يقفز

ثم يخطو

يتشمم عطرا مألوفا لا يتردد

ينجذب كعاشق

يغلبه الشوق

يرتمي في حضن المعشوق

بين ذراعيها تعصره

المصيدة

تلحفه وتغطيه

بحرير الكلام

وبحر الأشواق

تهمس وتناجيه:

حبيبي

تمدد واسترخ

مسافة هذا

التهجد

سكرة أو شهقة

أو منام”. (ص 28/29)

وفي تلك الحوارية بين العاشق والمعشوق، العبد والرب:

حبيبي يقول:

تفضل كؤوس المدام

حياة

يليق بسعيك نحوي الشراب

أقول حبيبي مجاهل كأسك

تغري يباب رؤاي” (ص 62).

من الغزال إلى المصيدة، من الأيل إلى النورس الذي يأتي من سماء الخيال، يصحب الشاعر إلى جنة المعنى، واليراع الجميل المحيا الذي يُعلم الذات كيف تحلم بتحويل عتمة هذا الكون إلى سنا وضياء، إلى الغيمة الأنثى التي تذيب الشاعر مصطفى ادزيري، هذا المائي القادم من سلالة الطين، تزرع فيه غيمة المجاز والاستعارات ثورة، تحوله إلى سيل يجرف المجتر والمعاد، والطير هذا النديم يقوده نحو مدارج السماء، إلى الأعالي، للهروب من الدنو، الذبول والحلول في ذات الجلال، الحق، الجمال والخير… يسير نحو تلك الهزة المشتهاة، ذلك التيه الأبدي، يقول في قصيدة “رشفة”:

رشفة ثم تخطفنا

الدهشة العابرة

من أقاصي اليقين

إلى عرصات التوهم

رشفة ثم نغيب

كأننا لم نكن ها هنا ذات صحو
(…)

منذ صارت أجنحة الحلم تسمو بي

عاليا صوب مملكة الحب”.

الختم هو ما يحكم نصوص “ديوان نديم الطير”، ذروة النهايات حيث الموت عشق، والفناء حياة، وكل موت هو بعث جديد في البرزخ العلوي حيث لا تُبصَر سوى القمم الشاهقة، وبراري يغسلها العطر وأرواح تهيم في ينابيع الضوء، والطيور المحلقة في سماوات بعيدة، حيث صفاء الرؤيا، غنيمة التيه، توحد الحال والمحلول، هناك يطارد الشاعر معنى المعنى بدون سياط، في جبهة البرزخ، ليس الطير سوى الشاعر، ليس سوى القصيدة والباقي مؤثثات السكرة: العشق، الفناء، المدام، الكتابة، البوح…
يبدو الزمن في قصائد “نديم الطير” دائريا، نقطة البدء هي نقطة الختم، الفناء والحلول، العودة إلى الأصل النقي:

“كما

الماء يعود إلى النبع

كما البذرة تعود إلى التراب

كما الطين يعود إلى الطين

تعالي” (ص 30).

ويحاكي الخط هذا الزمن الدائري الذي يحكم قصيدة “عشق”، ليست رحلة الصوفي سوى العودة إلى ما كان يبحث عنه في الخارج، فيخيب ثم يعود مجددا للبحث فيجده في داخله، في عمق ذاته. يعبر الشاعر أيضا كل هذه البراري أسوة بطيور فريد الدين العطار التي يقودها الهدهد في سفر طويل وشاق، مثل طائر”سيمُرغ” يرحل الشاعر نحو معشوقه، الذي سيكشف أنه وهو في حضنه ليس غير ذاته.. وعلى عكس فريد الدين العطار، الذي كان أميل إلى صاحب “تهافت الفلسفة”، فإن مصطفى ادزيري أقرب إلى “مواقف النفري”، حيث “صفاء الرؤيا غنيمة التيه” و”مطاردة معنى المعنى تتم بدون شباك”، و”قمر بجلال سموقه” يحمل الشاعر إلى أعلى ويعلمه كيف يفك طلاسم الغيب وكيف يقرأ كتاب السماء، والسؤال زاد القلق والتيه.

“ويسأل:

خوابي الغيوب

وما من مجيب” (ص 24).

هذا البعد المتمثل في دلالات الزمن الدائري الذي يحاكي دورة القمر في امتداده الجمالي والفيزيائي يعكس بعدا فلسفيا يجعلنا في قلب الأسئلة العميقة لمفهوم الحداثة التي قطعت مع النظرة التقليدية للماضي والحاضر والمستقبل، ولمفهوم التقدم… فمنذ “فينومينولوجيا الروح” لهيغل أعدنا ترتيب حسابنا مع الزمن الهندسي بنية ورؤيا. الزمن الدائري في نص “نديم الطير” يتراوح بين الفناء والحلول، في الحياة والموت والبعث من جديد، في زمن قلق من جاذبية الترابي فينا ومحاولة السمو ثم العودة بعد جذبة الأعالي إلى عمق الذات بنقاء وعمق أكبر.. وهو ما يشي برفض الثبات والديمومة والتقليد… والانتصار للحركة، للتطور وللتجديد والإيمان العميق بفاعلية الذات الإنسانية في وشم مسارها الخاص وتغيير العالم، الزمن والنصوص… وهو شيء قريب مما أسماها فوكو “أنطولوجيا نحن ذاتنا”.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى