منبر هسبريس

الجاسوسية ..المهمة الصعبة

نظرة خاطفة على خريطة العالم العربي الممزق من المحيط إلى الخليج، تكفي لإدراك تفوق المكر الإمبريالي المتوحش، بدءا من التفقير المنتظم الممنهج، والشتات العربي، وصراع الإخوة العرب الأعداء، وانهيار الكثير من الدول العربية وانزلاقها في حروب أهلية لا تبقي ولا تذر، ليبيا، سوريا، اليمن، ومصر هبة النيل وبداية الفاجعة الكبرى مع سد الخراب..

إنها المهمة الصعبة للجاسوسية التي نجحت، ونجحت معها نبوءة كولدا مائير اللعينة..

يواصل الجاسوس هيمفر سردياته قائلا:

منذ أن أصبحنا – محمد النجدي وأنا – أصدقاء جد حميمين حيث تلقيتُ رسالة صادرة من لندن تأمرني بمغادرة المكان الذي أوجد فيه والذهاب إلى مدينتي كربلاء والنجف، المركزان الكبيران الشيعيان للمعرفة. إذن عليّ أن أنفصل عن محمد النجدي ومغادرة البصرة، ولكني كنتُ فرحا لأنني كنتُ متيقّنا أن هذا الرجل الجاهل والمحبط أخلاقيا استُعمل على إقرار عقيدة طائفة جديدة، سيكون لها كنتيجة تدمير الإسلام من الداخل، خاصة لأنني كنتُ صاحب الدوغمات الهرطقية لهذه الطائفة الجديدة.
عليّ الخليفة الرابع للسنيين، والأول حسب الشيعة، كان مدفونا بالنجف – مدينة الكوفة، التي كانت على مسافة فرسخ -ساعة من السير من النجف، التي كانت عاصمة الخليفة علي. عندما قُتل علي، أبناؤه الحسن والحسين دفناه خارج الكوفة في مكان يُدعى الآن النجف. لاحقا النجف كمدينة مع الزمن بدأت تتوسع بينما الكوفة تتراجع تدريجيا، رجال الدين الشيعة انتقلوا كلهم إلى النجف، منازل، أسواق، مدارس دينية قد بُنيت بها.

الخليفة بإسطنبول كان لطيفا جدا وكريما تُجاههم للأسباب التالية:

الإرادة الشيعية بإيران تتحمل الشيعة، إذا تدخل الخليفة في شؤونهم فإنه سيثير توترات بين الدول، هذا كان يمكن أن يتسبب في عودة الحرب.

سكان النجف تشمل قبائل مسلحة تتحمل الشيعة، وإن كانوا لا يتعارفون كثيرا. كان سيئا بالنسبة للخليفة أن يدخل في نزاع معهم.

الشيعة بالنجف كانت لهم سلطة على الشيعة عبر العالم: لا سيما أولئك الذين كانوا بإفريقيا والهند، إذا كان الخليفة قد أزعجهم، فإن الكل الشيعة سيتمردون ضده.

الحسين بن علي حفيد النبي، بتعبير آخر نجل ابنته فاطمة قد استُشهد بكربلاء. أُرسل ناس العراق من يبحث عن الحسين بالمدينة ودعوه إلى العراق لانتخابه كخليفة لهم. كان الحسين وعائلته في كربلاء عندما تخلى العراقيون عن نيتهم القديمة بالتصرُّف تحت أوامر أعضاء يزيد بن معاوية، الخليفة الأموي الذي كان يعيش بدمشق، والذي كانت له نية توقيفه. الحسين وأسرته عارضوه بمقاومة فريدة وبطولية ضد الجيش العراقي. وانتهت المعركة بقتلهم، والجيش العراقي كان إذن قد انتصر. منذ هذا اليوم، قبل الشيعة بكربلاء كمركز لهم حتى يتمكن شيعة العالم قاطبة بأن يأتوا إلى كربلاء… حيث حتى ديانتنا المسيحية ليس لها مثيل.

كربلاء مدينة شيعية، تشمل مدارس شيعية، هذه المدينة والنجف كلاهما تحتمل الأخرى. تحت أمر ذهابي إلى هتين المدينتين، غادرت البصرة باتجاه بغداد وفي ما بعد إلى مدينة تُدعى” حُلاّ “توجد على طول الفرات.

نهر دجلة والفرات يأتيان من تركيا، ويمران عبر العراق ويصُبان في الخليج الفارسي، الزراعة وسعادة العراق يرتبطان بهاذين النهرين.

عندما كنتُ عائدا إلى لندن، اقترحتُ على وزير المستعمرات بأن مشروعا يمكن بلورته لتغيير أسرّة الواديين حتى يتم دفع العراق إلى قبول اقتراحاتنا. عندما يكون الماء قد قُطع، فإن العراق يكون عليه إذن أن يُلبّي مطالبنا.

من حُلاّ إلى النجف سافرتُ تحت مظهر رجل أعمل أذربيجاني، بعقد صداقات مع رجال الدين الشيعة، بدأتُ بخداعهم، انضممتُ إلى حلقاتهم التعليمية الدينية، لاحظتُ أنهم لا يدرُسون العلم مثل السنيين، وأنهم لا يتوفرون على الميزات الجيدة الأخلاقية للسنة، مثلا:

كانوا جد عدائيين تُجاه الإمبراطورية العثمانية، لأنهم كانوا شيعيين ولأن الأتراك كانوا سنيين، يؤكدون أن السنيين كانوا كفارا.

العلماء الشيعة كانوا مُستوعبين كلهم بالتعاليم الدينية وكانت لهم اهتمامات قليلة بمعرفة العالم، كما كان عليه حال الفقهاء خلال حقبة التوفيق التي عرفناها في تاريخنا.

كانوا ليس فقط جاهلين كليا بالجوهر الداخلي والخاصية العليا للإسلام، ولكن أيضا بالتقدمات التقنية المتطورة عبر الزمن.

قلتُ لنفسي: أي نوع من الأشخاص البؤساء هم الشيعة، إنهم نائمون بعمق، بينما العالم كله قد استيقظ، يوما ما سيأتي سيل جارف ويحملهم بعيدا جدا. في كثير من المرات، حاولتُ حملهم على التمرد ضد الخليفة، مع الأسف لم يستمع أحد إليّ. البعض منهم أخذ يستهزئ مني، وكأني طلبتُ منهم تدمير الأرض، حسبهم، سيتخلصون من الخليفة مع المجيء الموعود للمهدي. حسبهم، المهدي هو إمامهم الثاني عشر، الذي هو من نسل نبي الإسلام والذي اختفى سنة 255 هجرية. كانوا يعتقدون بأنه لا يزال حيا وسيظهر مجددا يوما ما ويُنقذ العالم من حالة الشراسة المطلقة والظلم، ويقيم العدل.

ذات يوم قلتُ لأحدهم: “أليس لزاما لكم أن تتوقعوا الظلم كما فعل النبي في الإسلام؟”. كان رده” نجح في توقع الظلم (اللاعدالة) لأن الله ساعده” عندما قلتُ له” إنه مكتوب في القرآن بأنه إذا خدمتم دين الله، سيساعدكم”، “إذا ما تمردتُم ضد القمع، وتعذيب شاهاتكم، سيساعدكم الله” أجابني” إنك تاجر. يتعلق الأمر بمواضيع الدين، لا يمكنك فهم هذا”.

متحف علي، أمير المؤمنين كان جد مُزيّن. كانت به ساحة جميلة، قُبّة بلون ذهبي، ومئذنتان عاليتان.

كل الأيام يزور كثير من الشيعة هذا المتحف، إذ به يقومون بالصلاة جماعة. كل زائر يتوقّف أولا أمام العتبة، يُقبّلها ثم يُسلّم على القبر. يطلبون الإذن، ثم يدخلون. المتحف كانت به ساحة رحبة، تتضمن كثيرا من الغرف خاصة برجال الدين والزوار.

كان يوجد متحفان شبيهان بمتحف عليّ بكربلاء، أحدهما ينتمي للحسين والثاني لأخيه العباس، الذي كان شهيدا معه في كربلاء. يعيد الشيعة نفس الممارسات التي تتم بالنجف، الجو بكربلاء كان أفضل مما هو بالنجف، كان مكانا محفوفا بأشجار تفاح وجداول جيدة.

خلال مهمتي بالعراق، شاهدتُ حالة حملت الاطمئنان إلى قلبي، بعض الأحداث كانت تُعلن عنها الإمبراطورية العثمانية. في الواقع، كان الحاكم الذي عيّنته حكومة إسطنبول شخصا محروما من التعليم وشرسا، يتصرف كما يحلو له، الناس يحبونه. السنيون كانوا مستائين لأن الحكومة كانت قد حدّت حريتهم، ولم يُقدّروه، والشيعة يشعرون أنهم يستحقون أن يُحكموا من لدن تركي، بينما يوجد بينهم أسياد شرفاء، أحفاد النبي لو اختيروا لكانوا أفضل منه.

كان الشيعة في وضعية ميؤوسة على الإطلاق. يعيشون في نواحي قذرة ومُهدمة. الطرقات خطيرة. قُطاع الطرق كانوا دائما في انتظار القوافل، ويُهاجمونها عندما يلاحظون أنها ليست محروسة من أي جندي. إنه لهذا السبب لم تكن الكوفيات تُمارس عملها التجاري ما دامت الحكومة ترسل من يحرسهم.

كانت القبائل الشيعية غالبا ما تقوم بالحرب في ما بينها. وتهجم كل منها على الأخرى. الجهل والأمية كانا منتشرين بقوة. ذكّرتني حالة الشيعة بالحقبة التي كانت فيها أوروبا تحت هيمنة الغزو الكنسي، باستثناء الزعماء الدينيين القاطنين بالنجف وكربلاء وأقلية صغيرة كانت من تُقاتهم، لا أحد من الشيعة يعرف القراءة والكتابة.

السكان يعانون من فقر مطلق، النظام الإداري كان كليا خارج الخدمة، الشيعة كانوا قد خانوا الحكومة.

الدولة والسكان كلاهما يحذر الآخر، والنتيجة هي أنهم لا يتعاونون في ما بينهم. الزعماء الدينيون الشيعة، الذين كانوا يتعاطون لشتم السنيين، كانوا قد هجروا العلم، حتى الشؤون الدينية والدنيوية. ظللتُ بكربلاء والنجف أربعة أشهر. عانيت من مرض بالنجف. أحسستُ بسوء صحتي إلى درجة أني اعتقدتُ الخلاص بصعوبة. دام مرضي ثلاثة أسابيع، زرتُ طبيبا، أعطاني وصفة تناول الأدوية، بدأتُ في التحسن. أثناء مرضي ظللتُ بغرفة تحت أرضية. لأنني كنتُ مريضا، كان ضيفي يُحضّر لي العلاجات والطعام مقابل قدر زهيد من المال وكان يقوم بذلك بهدف الحصول على ثواب كبير لأنه خدمني، لأني كنتُ أحد زوار عليّ أمير المؤمنين. كان الطبيب قد نصحني ألا أتناول غير مرق الدجاج خلال الأيام الأولى. في ما بعد نصحني بأن أتناول لحم الدجاج. الأسبوع الثالث تناولتُ حساء الرُّزّ. بعد استقرار صحتي توجّهتُ إلى بغداد. حضّرتُ تقريرا من 100 صفحة حول ملاحظاتي في النجف، حُلاّ وبغداد، وخلال تنقُّلاتي سلّمتُ هذا التقرير إلى مُمثل وزارة المستعمرات ببغداد. انتظرتُ الأمر من الوزارة لمعرفة ما إذا كان عليّ أن أظل بالعراق أو العودة إلى لندن.

كنتُ أتمنى العودة إلى لندن لأني ظللتُ مدة طويلة بالخارج. كنتُ مشتاقا إلى وطني وأسرتي. أردتُ بالخصوص أن أرى ابني Rasputin الذي وُلد بعد ذهابي، لذلك ضممتُ إلى التقرير طلب إذن لي بالعودة إلى لندن للحظة قصيرة. في الواقع تمنيتُ أن أُلقي تقريرا شفويا بصدد انطباعاتي حول ثلاث سنوات من مهمتي بالعراق والاستراحة في الوقت نفسه. ممثل الوزارة بالعراق نصحني أن أُلحّ على ذلك خوفا من أن يشكّوا فيّ. نصحني أيضا بكراء غرفة بإحدى الفنادق الموجودة على طول وادي الفرات، وأجبتُه: “اُعلمك بردّ الوزير نتلقّى رسالة لندن”. خلال مكوثي ببغداد، لاحظتُ اختلافا روحيا بين إسطنبول عاصمة الخليفة، وبغداد.

عندما غادرتُ البصرة إلى كربلاء والنجف، كنتُ جد قلق لكون محمد النجدي ابتعد عن الاتجاه الذي قُدتُه إليه، لأنه كان من أحد الناس غير المستقرين عصبيا. خشيتُ أن تضيع كل الآمال التي أسستُها عليه.

عندما غادرتُه، كان يفكّر في الذهاب إلى إسطنبول، عملتُ كل جهدي لإقناعه بذلك. قلتُ له: “إذا ذهبت إلى إسطنبول، أخشى أن تقوم بتصريح ما بسببه يقولون بأنك زنديق ويقتلونك”. بينما كان هدفي هو عكس ذلك في الواقع. كنتُ قلقا بأنه بالذهاب إلى هناك، يمكن أن يلتقي بعلماء مهمين قادرين على تصحيح الأخطاء وادعاءاته إلى العقيدة السنية وتفشل أحلامي ببساطة لأنه بإسطنبول كان يوجد العلم والأخلاق الجيدة للإسلام.

عندما اكتشفتُ أن محمد النجدي لا يريد أن يظل بالبصرة، نصحتُه أن يذهب إلى اصبهان وشيراز لأن هتين المدينتين كانتا جميلتين وأن السكان كانوا شيعيين. لدى العودة، فإن الشيعة لا يستطيعون التأثير على محمد النجدي لأنهم كانوا غير أكفاء في العلم والأخلاق، وإذن سأكون على يقين بأنه لن يغير مسار الأشياء التي كنتُ وضعتُها له.

عندما انفصلنا، قلتُ له” هل تؤمن بالتقية؟”. “أجل. أومن بها” أجابني”. “الكفار أوقفوا أحد الصحابة وعذبوه وقتلوا والديه. فقام بالتقية، والتي تعني بأنه قال صراحة بأنه كان مشركا (عندما رجع وحتى ما حدث)، لم يؤاخذه النبي على كلامه. نصحتُه” عندما ستعيش مع الشيعيين، قم بالتقية: لا تقل لهم إنك سني خشية أن يصبحوا قلقا لك. استفد من بلدهم دون علمائهم. تعلم عاداتهم وتقاليدهم لأنهم أُناس جهال وعنيدون.”

قبل أن أنطلق منحتُه نقودا، كزكاة …زيادة على ذلك منحتُه حصانا كهدية، وانفصلنا.

بعد انطلاقي، فقدت الاتصال معه. وهذا أقلقني تماما. عندما كنا قد انفصلنا، قررنا بأننا الاثنين يمكن أن نعود إلى البصرة وأن أوّل من يكون ولا يعثر على الثاني، عليه أن يكتب رسالة وأن يتركها عند عبدو رضا.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى