فن وثقافة

مهرجان “كان” السينمائي بدون نور الدين الصايل .. لو كانت الأمكنة تتكلم

“لو كانت الأمكنة تتكلم”..

يصمت الفيروس قليلا، وينطلق الشريط الثالث في المسابقة الرسمية لدورة هذا العام من مهرجان “كان” بحوار مؤثر ومعبر في الآن.

“هل سترتاح بعد الرحيل؟ نعم سأرتاح، لكن راحتي ستكون أكبر إن تذكرتموني بعد الرحيل”.

أتجول مع رفاق كثر بعد كل عرض، وفي كل مرة أمر قبالة المطعم اللبناني الذي كان يلتقي فيه الراحل نور الدين الصايل أصدقاءه من سينمائيي قارتنا. لو كانت الأمكنة تتكلم هنا في “كان”، لأفضت بسر أحاديث سينمائية كنت أعتقد أنها لن تنتهي، والآن أخبر جيدا بأن لكل بداية نهاية. مكانه في المطعم شاغر على الدوام، ومالكه يسألني في كل مرة عن آخر لقاءاتي بالراحل الصايل. أنطلق في الحكي، وفي كل مرة أعيد اجترار التفاصيل نفسها، وفي كل مرة يخفض بصره، وفي كل مرة يدعو للراحل بالرحمة. كل من التقيهم يطرحون السؤال ذاته: نور الدين؟ أعيد ترتيب كلماتي وأجيب، وحين أرهق أتوقف. أعبر لقاعة من القاعات لأشاهد شريطا سينمائيا جديدا، لأن الأشخاص يغادرون لتواصل السينما الطريق. رفاقه من تونس ومصر ولبنان وبوركينا فاسو والسينغال والكاميرون، وإعلاميون فرنسيون، ومخرجون كثر من بلدان عديدة، يسألون عنه، وكل واحد يحكي قصصا عاشها مع الراحل. آخرون لم يكونوا على علم بالخبر. وقع المفاجأة يعسر أن تصفه الكلمات.

النقاشات في السينما وحول السينما لا يمكن أن تحقق الإجماع، والمختلفون مع الراحل، ومنهم عدد كبير هنا في “كان”، افتقدوه. الاختلاف في الآراء لم يلبس يوما عباءة الخلاف، وهذا هو الأهم. السينما تتيح الفرص لفتح النقاشات التي لا تصل بالضرورة إلى بر الاتفاق، لكنها لا تخلق العداوات الأبدية. في قاعة الـ”غران تياتر ليميير” التي كان يجلس دوما في ركنها الأيسر ليشاهد الأفلام، اخترت كرسيا تلقف جسدي لمدة تقارب ساعتين، وتابعت فيلم “Tout s’est bien passé” لفرانسوا أوزون. بدون ارتياب كان سيتهكم بأسلوبه المعتاد على الطريقة التي تناول بها المخرج موضوع الموت الرحيم. تيمة الموت، كانت تثير دوما سخريته، ومرارا اختلفت مع الأستاذ بخصوص إقحام مخرجين كثر لشحنات عواطف وأطنان أحاسيس بهدف استجداء دعم الجمهور ولجان التحكيم. أجلس وحيدا أشاهد Sophie Marceau التي تلعب دور “إيمانويل” التي يترجاها والدها لتساعده على الموت. لحسن حظها أن نور الدين الصايل لم يشاهدها، ولحسن الحظ أنه لم يحضر أيضا لمتابعة الفيلم الجديد للتشادي محمد صالح هارون. فيلم إفريقي ببهارات أوروبية، والكليشيهات لم يكن الصايل يقبلها. لسوء الحظ، رحل نور الدين لأنه لو شاهد فيلم الافتتاح لليوس كاراكس “Annette” كان سيستمتع، وبدون ارتياب لم يكن سينضم لقائمة من هاجموا المخرج ومن ضمنهم صاحب هذا الركن. في أغلب الظن كان سيدافع عن ملحمته الموسيقية الغنائية، وسيقرأ في تيهه وضوحا لم أره شخصيا. في العلاقة مع الأستاذ نور الدين الصايل، لم يكن المهم هو أن نتفق، بل أن نناقش بعضنا البعض، وإن كان يحاول دوما أن يفرض رأيه. افتقدت كثيرا هذا الجانب.

المكان مختلف، وفي السنوات العشر الأخيرة كنت ألتقيه هنا على الدوام طيلة الرأسمال الزمني للموعد بدون أن نحدد الموعد. يتكلم ويناقش ويختلف ويفصح عن آرائه في جلسات طويلة يخبر أهل الميدان عندنا في المغرب طولها، وكثرة المواضيع المتناولة فيها. أصدقاؤه من إفريقيا افتقدوه ويبادرون لطرح السؤال بخصوص مصير مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية الذي كان يديره، وكثير من مسيري مهرجانات إفريقية كانوا يستشيرونه هنا في “كان” حول كل صغيرة وكبيرة تخص مواعيدهم. رجل سينما أحب بلده وعشق قارته، ودافع عنهما في منتديات، آخرها نظم هنا في “كان” قبل عامين وخص تمويل الأفلام الإفريقية.

“كان” بدون نور الدين الصايل مختلفة، واللقاء مع كثير من رفاقه بعد رحيله مختلف. نلتقي، ونتكلم قليلا ونغادر. الصايل رحل، لكن مهرجان “كان” الذي مر منه كبار كثر باق والقائمون عليه مازالوا يطمحون لتوسيعه أكثر. السينما تبقى والرجال يرحلون، لكن التاريخ لا ينسى أبدا من وهبوا حياتهم لخدمة السينما. أتوقف، لأن الأستاذ نور الدين الصايل كان من أكثر الناس الذين يعيبون علي الإطالة في الكلام. أردت فقط أن أتذكرك أستاذ بطريقتي، ولي اليقين بأنها كانت تروقك.

يصمت الفيروس قليلا، وينطلق الشريط الثالث في المسابقة الرسمية لدورة هذا العام من مهرجان “كان” بحوار مؤثر ومعبر في الآن.

“هل سترتاح بعد الرحيل؟ نعم سأرتاح، لكن راحتي ستكون أكبر إن تذكرتموني بعد الرحيل”.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى