فن وثقافة

كتاب جديد يستحضر “المذهب المالكي” بالأندلس نموذجا للتعايش في أوروبا

يستحضر كتاب جديد تجربة المذهب المالكي بالأندلس، مقترحا إياها نموذجا لمسلمي أوروبا من أجل إشاعة روح التعايش، وربط جسور التسامح بين مكونات المجتمعات الأوروبية، وبناء نموذج مواطنة أكثر رقيا.

جاء هذا في الكتاب الجماعي “المسلمون وفقه التعايش في أوروبا في ضوء تجربة المذهب المالكي بالأندلس”، الصادر عن منشورات المجلس العلمي المحلي لإقليم الدريوش؛ وهو مؤلَّف يضم بحوث الندوة العلمية السادسة للمجلس العلمي بالدريوش، في موضوع المسلمين وفقه التعايش في أوروبا في ضوء تجربة الفقه المالكي بالأندلس؛ وهي أعمال تأخر إصدارها بسبب جائحة “كورونا” الراهنة.

وفضلا عن مواضيع يقف بعضها عند “مجالات استثمار تجربة المذهب المالكي بالأندلس في فقه التعايش لمسلمي أوروبا”، يجمع الكتاب بين دفتيه أبحاثا عن تعامل الإسلام مع غير المسلمين، ومقارنات للتركيبة السكانية وأثرها على التعايش بين المجتمع الأندلسي والشعوب الأوروبية، كليات التعايش في الإسلام ومبانيه، مظاهر التعايش بين المسلمين وغيرهم في الأندلس والمغرب من خلال النوازل الفقهية، فقه التعايش في الفقه المالكي، ثقافة الحوار بين الأديان في المغرب والأندلس، ثقافة التعايش في القرآن والسنة ومقومات الفكر المقاصدي عند مالكية الأندلس.

ويكتب بنعيسى بويوزان، رئيس المجلس العلمي المحلي لإقليم الدريوش، إن “المذهب المالكي أسهم بقوة في إشاعة روح التسامح والتعايش في المجتمع الأندلسي بخاصة، وهو ما يعتبر بحق من مفاخر ثابت من ثوابت أمتنا المغربية العريقة، لما كان له من أثر متميز في إشاعة القيم الإسلامية السمحة في مختلف بقاع العالم القديم، وبخاصة في عمق أوروبا أيام الخلافة الإسلامية بالأندلس”.

وفي تقديمه للكتاب الجديد، يتحدث بويوزان عما عرفته الأندلس “من قيم التسامح والتعايش التي اجتهد فقهاء وعلماء المذهب المالكي في إبرازها على نحو فريد ومتميز (…) اعتمادا على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعمل الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة رضي الله عنهم”، ويضيف: “هذا ما يشكل لب فقه أهل المدينة المنورة علما وعملا، وترجموه إلى واقع عملي وملموس في الأندلس بخاصة، بعدما استطاعت أن تصهر مختلف مكونات المجتمع الأندلسي بأعراقه وأديانه ولغاته وأعرافه وتقاليده المختلفة، لتؤسس دولة إسلامية مالكية مدنية بكل المقاييس، حملت مشعل الحضارة الإسلامية في قلب أوروبا”.

ويزيد المقدّم: “نسترجع شيئا من تلك التجربة المالكية الفريدة التي، ربما، لو استثمرناها اليوم لاستطعنا إعادة ربط جسور التعايش والتسامح بين مكونات المجتمع الأوروبي اليوم”؛ كما يستحضر في الإطار نفسه تمتع المسلمين الأوروبيين بكامل حقوق المواطنة الأوروبية، دون أن يعني ذلك عدم وجود “عوائق مختلفة تحول بينهم وبين الاندماج والتعايش والتسامح مع المواطنين الأوروبيين الأصليين، ما ساهم في بروز صور وكأنها مقدمات للتباعد والتنافر أحيانا، بدلا من صور التقارب والتعايش والتساكن”.

ويتساءل رئيس المجلس العلمي بالدريوش: “أفلا يكون استيحاء النموذج الأندلسي الإسلامي الأوروبي إبان عز الحضارة الإسلامية هناك هو الشعاع الذي يمكن أن ينير الطريق، أو بعض الطريق، اليوم، لكل السائرين في المجتمع الأوروبي المسيحي من مسلمين ونصارى ويهود، لبناء جسور المواطنة الأوروبية في أرقى معالمها، كما فعل المجتمع الأندلسي الإسلامي بالأمس؟”.

ومع التأكيد على أن “النموذج الإسلامي المالكي” يراعي لأهل كل ملة “حقوقهم التي ضمنها لهم الشرع الإسلامي كتابا وسنة”، يعود بويوزان إلى عيش الجميع بالأندلس “متجاورين في الأحياء الراقية كما في الأحياء الشعبية، وفي البوادي كذلك، كما عاشوا في المعاهد الإسلامية، حيث تتلمذ كثير من اليهود والنصارى على كثير من كبار علماء الإسلام”؛ لأن الذي أسس له فقهاء المالكية في الأندلس هو “بناء الدولة الإسلامية الأندلسية المدنية”، وفق قراءة مقدّم الكتاب الجماعي.

وفي بحث الدّارس المتخصص في فقه المهجر عبد الحق الكواني، يكتب أن من أبرز المميزات التي تجعل من المذهب المالكي في الأندلس مرشحا لأن يكون نموذجا للتعايش وأصلا لفقهه بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في السياق الأوروبي اليوم “سبقه وتميزه بالانتشار في بقعة واسعة من البلاد الأوروبية منذ نهايات القرن الثاني الهجري”، وكونه “ممارَسا ومعمولا به في بلاد الأندلس، التي كانت تشمل البرتغال وإسبانيا وجزءا من البلاد الفرنسية، يوم كان المسلمون حاكمين ويوم كانوا محكومين، أو بعبارة أخرى أيام الغلبة وأيام الاستضعاف”.

ويسجل الباحث أن “ما يعرف بفقه الأقليات المسلمة ليس بأمرٍ جديد” إذ “كان المذهب المالكي الأندلسي سباقا لمضمونه؛ لأنه أول من عالج قضايا الأقلية المسلمة وهي محكومة من طرف غالبية غير مسلمة”، مثل ظاهرة المدجّنين الذين بدأ ذكرهم في التواريخ الأندلسية منذ القرن الثاني عشر الميلادي.

ويمتاز المذهب المالكي، وفق الباحث، بـ”اعتماده على أصول اجتهادية تساعده على متابعة النوازل الطارئة عند غياب النقل من نصوص القرآن والسنة”، وهي أصول يقول إنها “تؤهله لاستعداد المتمذهبين به، في أي سياق كانوا، على انفتاحهم على غيرهم من المذاهب الفقهية والشرائع السماوية السابقة واستعدادهم للتعايش مع الغير”.

ويرى الكواني أن هذه القواعد والأصول “ليست ضامنة للتعايش مع المذاهب الإسلامية والمناهج الفقهية الفرعية المخالفة للمذهب المالكي مثل المذهب الحنفي والشافعي والحنبلي”، حيث “تتضمن في جوهرها وروحها ما يؤهل المتمذهب بالمذهب المالكي لأن يكون متعايشا حتى مع المخالف في الأصول في ما يعرض له من نوازل وقضايا وهو يعيش مع الغالبية غير المسلمة في السياق الأوروبي، ومواطنا مندمجا اندماجا إيجابيا تفاعليا”.

وفي السياق ذاته، يذكر الباحث أنه عند الحديث عن التجربة المالكية الأندلسية لا يدعو إلى “الجمود المذهبي والتعصّب الفرعي”؛ بل يقصد “الدعوة إلى استلهام هذه التجربة والإفادة منها في واقع المسلمين اليوم؛ باعتبارها تجربة واقعية لا دعوى نظرية”.

ويسترسل الدارس شارحا: “مما سيساعد المسلمين في السياق الأوروبي اليوم على فهم التعايش نظريا وممارسته عمليا الاستفادة من اختيار الأندلسيين لمذهب مالك بمفهومه الشامل”؛ ويقترح في مجال الفقه العقدي الاستفادة بتلقي وتبني اعتقاد الأشاعرة “المؤسس على النقل والعقل؛ اقترابا وتجاوبا مع عموم المسلمين الذين يعيشون في السياق الأوروبي والذين يرجعون إلى الأصول التركية والبلقانية”، وهم في الأصل على مذهب الماتريدية، الذين لهم تقارب كبير مع الأشاعرة.

ويضيف الباحث: “كما سيستفيدون في تعايشهم مع الغير؛ لأن منهج الأشاعرة في مفهومي الإيمان والكفر منهج وسطي ومعتدل وعملي. وفي مجال الفقه الفروعي والتنزيلي يُستفاد من هذه القواعد والأصول الغنية والثرية في معالجة القضايا والنوازل العامة والخاصة التي تنزل بالمسلمين في السياق الأوروبي، والتي يتعلق جزء منها بقضايا المواطنَة والعيش المشترك، ما يسهم في تعميق وترسيخ فقه التعايش وفقه المواطنة”.

ويختم الباحث عبد الحق الكواني حديثه بالوقوف عند إمكانات الاستفادة من مجال الفقه السلوكي “أصولا قلبية وقواعد سلوكية” تمكن من تجسيد “روح الإسلام ومقصده في التَّتْمِيم الخلقي (من الحديث النبوي: إنما جئت لأُتَمِّمَ مكارم الأخلاق)”، ثم يجمل بالقول: “في هذا الفقه من المقامات والمدارج والكليات والأصول الخلقية الشيء الكثير؛ ما يسهم في تحقيق التعايش ويزكيه”.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى