من الأمس

هذه المهام الروحية والأمنية للزاوية “اليعكَوبية البوراشدية” خلال فترة الحماية

يمكن أن نعد كتاب الإعلامي الباحث مولاي التهامي بهطاط الموسوم بـ “المهام الروحية والأمنية والعسكرية للزوايا” خلال فترة الحماية 1912 – 1949 الزاوية اليعكَوبية ببوراشد نموذجا عملا رائدا في التأريخ لمجال جزء مهم من منطقة ملوية الوسطى، لا سيما الحيز الذي عرف استقرار وتنقل قبيلة اولاد سيدي يعكَوب، لأسباب وعوامل عدة كما سنرى، يمكن إيراد العامل الأساس منها، ويتمثل في التهميش والظلم الذي تعرضت له هذه المنطقة كجزء من المغرب العميق أو المغرب غير النافع، بعد استقلال البلاد، ثم نستطيع إضافة عوامل أخرى كقلة ما كتب عنها، لا بل طبيعة هذه الكتابات نفسها التي يمكن اختزالها في عدد محدود من الأطاريح الجامعية الحافلة بالأخطاء والأحكام القطعية المبنية إما على قلة دراية بطبيعة البحث التاريخي، والحال أن هناك أساتذة أجلاء يشرفون على هذه البحوث، مما يطرح معه السؤال عن مظاهر التوجيه والإرشاد والتصحيح التي غابت كليا أو جزئيا في تلك الأطاريح وذلك حسب صاحب الكتاب، أو تعلق الأمر بندرة الوثائق والاعتماد من ثمة على روايات “شفوية” أغلبها بائس وضعيف المصداقية، من هنا أهمية هذا المؤلَّف لجهة طرح أسئلة مستفزة معرفيا ومنهجي ، أمام الباحثين وخاصة من أبنائها، قصد فسح الإمكانات أمام مزيد من البحث والتنقيب عن الوثائق والمخطوطات والمستندات الشخصية والعائلية والمخزنية (المؤسساتية) ومن ثمة، طرح القضايا والإشكالات والأسئلة المحورية حول الدور التاريخي للمنطقة وأهلها وخاصة الزاوية اليعكَوبية وما قامت به من مهام أو ما اضطلعت به من وظائف دينية وثقافية، بل وسياسية أحيانا، بشكل يختلف عن الأدوار التي لعبتها أكثر الزوايا اعتبارا من بداية الدولة العلوية، رغم ما أحيط به مؤسسو وبعض شيوخ الزاوية اليعكَوبية من هالة زهدية/ إكرامية محضة، تتمثل فقط في اشتغال مريديها “بدينهم وقراءتهم ويطعمون الطعام ويقرؤون الأضياف لوجه الله تبارك وتعالى كما كانت عادة أســــــلافهم…”.

ولعل العامل الأخير، أي وجود أخطاء في تلك الأطاريح تتعلق بالمنطقة، أن يكون هو الأهم والأخطر معا بحسبان أن تزوير الحقائق عن قصد أو غير قصد، ولي عنق التاريخ يعتبر من الجرائر الجسيمة في حق الشعوب وثقافتها ورأسمالها الرمزي، من هنا نحيي بامتنان صدور هذا الكتاب، في طبعته الأولى عن مطابع الرباط نتRABAT NET سنة 2019 الذي وإن جاء متأخرا بعض الشيء إلا أنه يستطيع حاليا ملء الفراغ الرهيب وطرح الأسئلة كما سبق القول وتحفيز الباحثين على العمل المخلص الجاد والبحث الرصين المبني على أساس التعامل مع الوثائق ذات المصداقية، ومن ثمة الاستقراء الموضوعي ما أمكن لتاريخ المنطقة، والعوامل المتحكمة فيه، بعيدا عن التسرع أو اعتماد أحكام جاهزة وغير مؤسَّسة إن لم نقل خاطئة بالتأكيد .

جهود الباحث المخلصة من خلال هذا الكتاب القيم الذي يقع في 400 صفحة من القطع المتوسط تتجلى ليس فقط في تقديم ثمان وثمانين (88) وثيقة تاريخية حول المنطقة المعنية دون احتساب الوثائق التي تمت الإشارة إليها في ثنايا نفس الكتاب، بل تظهر أيضا في تصنيف وتحليل تلك الوثائق، وهي في معظمها رسائل مخزنية أو موجهة من الحكام الفرنسيين إلى قياد وشيوخ الزاوية اليعكَّوبية، هو عمل جبار دون شك، تطلب بحثا وجهدا مضنيين، علاوة على زمن ممتد دون شك. وإذا عرفنا أن تلك الوثائق كانت هي منطلق مولاي التهامي بهطاط في بحثه هذا، بمعنى أن الأرضية بالنسبة له التي انطلق منها كانت مؤسسة منهجيا ومعرفيا، فضلا عن أنه وجد الساحة شبه فارغة تقريبا اللهم ما كان من تلك الأطاريح الحاملة لكثير من المغالطات، ثم بعض الروايات الشفوية المتوسطة أو الضعيفة القيمة منهجيا، ما لم ترفدها وثائق مؤكدة وذات صدقية محددة، إذا عرفنا كل ذلك أدركنا قيمة الكتاب ومدى ريادته على مستوى التأريخ للزاوية اليعكوبية ببوراشد.

يقع المجال الترابي للزاوية اليعكَوبية البوراشدية بدءا من الضفة اليمنى والوسطى لنهر ملوية، تحدها جبال بني يزناسن شرقا وكعدة دبدو في الجنوب الشرقي، ويمتد مجال نفوذ الزاوية بين قرية ارشيدة ومركزي بوراشد وفقوس، بمحاذاة سهل تافرطا. ويقع مركز بوراشد على الطريق الرابطة بين جرسيف وبركين، عبر هذا المجال يسجل كل من مارت وإيدمون كوفيون Marth et Edmond GOUVION ، استقرار جماعات من الشرفاء الأدارسة، وبينهم الفرع اليعكَّوبي نسبة إلى جدهم الأكبر سيدي يعكوب، الذي عاش بين القرنين التاسع والعاشر الهجريين (الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين) وقد استقر وطاب له المقام ببلدة رشيدة بعد محطات بسجلماسة وفجيج، وهناك أكثر من دليل على نسبهم الصميم.

تتجلى أهمية هذه الزاوية من الوجهة التاريخية في وقوعها وسط منطقة غير مستقرة عموما تحيط بها قبائل “مشاكسة” يضعها البعض ضمن خانة القبائل المتطاحنة، ونذكر هنا الصراعات فيما بينها، بل إن المخزن نفسه كان يجد عناء كبيرا في مقارعتها كقبيلة بني وراين واولاد الحاج، على سبيل المثال، اللتين تقعان غرب وجنوب قبيلة اولاد سيدي يعكَوب، ومن هنا وبالنظر لطبيعة النسق الفكري والديني المسالم للزاوية اليعكَوبية، الذي سمح لها أن تتجنب عموما الدخول في أي صراع ذي طبيعة سياسية، اللهم إذا تعلق الأمر بالدفاع المشروع عن كيان القبيلة ومجالها، فقد أتاح هذا الوضع للمخزن ترسيخ أقدامه في هذه الناحية ومراقبة تحركات القبائل المتاخمة، بل السعي لإخضاعها له إذا اقتضى الأمر، بمساعدة شيوخ الزاوية اليعكَوبية، على الأقل منذ فترة المولى إسماعيل، والحجج الواضحة على هذا الأمر جملة الظهائر التي أصدرها السلاطين العلويون في توقير الزاوية واحترامها .

أورد الرحالة الجاسوس شارل دو فوكو Charles De Foucauld في كتابه “التعرف على المغرب” RECONNAISSANCE au Maroc وصفا رائقا لقرية رشيدة، التي ينعتها بأنها قصر كبير وجميل، في منتصف جبل دبدو في مكان وعر، يتوفر على عيون وافرة المياه وبساتين كبيرة وحقول تسر الناظرين، انطلاقا من هناك ولدت الزاوية الأم، ثم انتقلت إلى فقوس فقرية بوراشد على يد الشريف محمد بلحاج. وقد تأثرت الزاوية بتوجهين صوفيين معتدلين: الأول خط الزاوية الناصرية بتامكروت، والثاني الطريقة الزروقية التي حاولت إصلاح التصوف ذي البعد السني وتجريده من كل “البدع” التي لحقته، سواء خلال فترة الشيخ أحمد زروق، أي القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) أو فيما بعد. اكتسب شيوخ الزاوية سمعة واسعة ليس لدى المخزن فقط، ولكن أيضا عند القبائل المجاورة تبعا للوضع المذكور وربما أيضا للدورين الوسائطي التحكيمي وفض النزاعات، خاصة عبر المناطق التي كانت خارجة جزئيا أو كليا عن حكم المخزن، وهو ما يذكرنا بدار الضمانة، أي وزان، حيث كان يلجأ الهاربون والمتمردون والمهزومون فتحفظ أرواحهم وممتلكاتهم، مهما بلغت جرائرهم وحتى في مواجهة حركات المخزن المركزي، بسبب الدور الكبير لشرفاء وزان، وهنا نحيل بالطبع على شرفاء اولاد سيدي يعكَوب ببوراشد .

ويمكن توسيع هذه الأدوار زمنيا طيلة القرن التاسع عشر وحتى فترة فرض الحماية على المغرب، وتمتد المرحلة التي غطتها الوثائق التاريخية الـ 88 التي اعتمدها الأستاذ بهطاط بين 1912 و1949، وهي فترة غنية بالأحداث الجسيمة والمواقف المختلفة كما لا يخفى، سواء على صعيد المنطقة أو البلاد ككل، حيث نسجل أولا توقيع عقد الحماية وفرضها على المغرب في 30 مارس 1912، احتلال مركز جرسيف بعد قصف استعماري غاشم في نفس سنة توقيع تلك الحماية، أيام فاس الدامية وبدء زحف الجيوش الفرنسية غرب تازة، ثم المقاومة المسلحة بمنطقة ملوية وحوض إيناون وممر تازة، والتي استمرت اعتبارا من 1911 وحتى بداية 1927، بتفاوت طبعا بين هذه المنطقة وتلك، بين قبيلة معينة وفروع أو قبائل أخرى، ونذكر أيضا الثورة الريفية الباسلة بقيادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، والتي شهدت أبرز أطوارها اعتبارا من 1920 إلى 1926، والحصار الخانق الذي فرضته سلطات الحماية على مجمل المنطقة، محاولة عزلها عن مجريات الأحداث في باقي مدن ومناطق البلاد، وفي فترة ما بعد التهدئة، واستمر “الحصار” إلى ما بعد 1949 دون أن ننفي محطات أخرى كأنشطة الحركة الوطنية والأحزاب المرتبطة بها وغيرها من الأحداث التي أثرت بهذه الدرجة أو تلك على المجال المعني، والذي يعد حاليا جزءا من إقليم جرسيف، وقد كان تابعا لإقليم تازة إلى حدود سنة 2010، لما أصبح عمالة قائمة بذاتها .

وزع صاحب الكتاب تلك الوثائق بعد إبداء ملاحظاته حول جانبها الشكلي، ومعظمها كما قلنا عبارة عن رسائل مخزنية أو من لدن ممثل السلطة الاستعمارية برشيدة وتازة نحو ممثلي الزاوية ببوراشد، قلت وزعها وصنفها عبر الموضوعات التالية: علاقة رجل السلطة بشيخ الزاوية – مصطلحات ملتبسة ومفاهيم متداخلة- سياسة فرق تسد – علاقة الشريف بالضباط – التجهيزات المكتبية والبروتوكول – الآلة الدعائية – الصراع على الوجاهة – شخصيات وقبائل في ميزان الضباط الفرنسيين – الزاوية الداعمة للمقاومة- الحالة الأمنية – الدور السياسي والاستخباراتي – قضايا السلاح – نموذج فريد – مقايضة الدواء بالولاء – قضايا أحكام الأسرة – الإخوانيات – معطيات عسكرية وإدارية .

والملاحظ أن قليلا من هذه الوثائق ينزاح عن الفترة المعلومة، فبعضها كرسائل السلاطين وتعامل بوزيان الشاوي عامل تازة يعود إلى فترة حكم المولى إسماعيل والمولى عبد الرحمان بن هشام، ومن نماذجها ظهائر توقير الزاوية والاستوصاء بالشرفاء المرابطين اولاد سيدي يعكَوب، وتظهر من خلال مجمل هذه الوثائق المحددة بين 1912 و1949 الأدوار الهامة التي اضطلعت بها شخصية احميدة البوراشدي الذي يعود في نسبه إلى سيدي امحمد الحاج، وهو المزداد حوالي سنة 1869 والمتوفى عام 1942، وقد وصفته سلطات الاحتلال في إحدى رسائلها إليه بأنه “حاكم الحد المغربي الفرنصوي (هكذا بحرف الصاد) السيد حميدة بن محمد من آل سيدي يعقوب ببوراشد”. كما ترد في بعض الرسائل شخصيات أخرى كانت نافذة في القبيلة كالقايد حماد بن قدور، الذي شارك في قتال القبائل الثائرة وفي صفوف القوات الفرنسية، حتى حصل على شهادة تقدير في ماي 1922، ثم عين قائدا على المنطقة، وقد طرح المؤلف تحفظات أساسية حول هذه الشخصية، التي أكد مع ذلك أنه من الصعوبة تصنيفها في خانة معينة .

وبالنظر للأهمية المتفاوتة لتلك المحاور التي شملتها الوثائق والرسائل، فإن استنتاجات أولية يمكن أخذها بعين الاعتبار مع أسئلة الحذر المنهجي بالطبع، وعلى رأس تلك القضايا مسألة التعامل مع سلطات الحماية، فقد قدم صاحب الكتاب بعض الرسائل الموجهة من الحاكم الفرنسي بتازة أو نظيره ببوراشد إلى شيوخ اولاد سيدي يعكوب تحثهم في الغالب على تعليمات بـ”المراقبة” و”الاستخبار” عن بعض القبائل المجاورة أو عن تحركات معينة لساكنة المنطقة، ولكن هذا الدور الملتبس لا يمكن تصنيفه في عداد التخابر الاستعماري المحض، لأن عددا من الوقائع تدخل في إطار التدبير العادي واليومي لمشاغل الناس، ويمكن أن ندمج في ذلك رسالة من حاكم تازة تطلب من أعيان اولاد سيدي يعكَوب الاستعداد للقاء السلطان المولى يوسف الذي سيزور تازة فيما بين 04 و06 أبريل 1921. فيما تؤكد رسائل أخرى تعامل شيوخ القبيلة الواضح مع تلك السلطات وإعلان الولاء لها. يضاف إلى ذلك توصيات بالإحسان إلى بعض الفروع كبني عزيز وبني منصور لقاء أعمال تجسس على المقاومين. وفي مقابل هذه المواقف تسجل الرسالة رقم 28 في الصفحة 159 من الكتاب إياه غضب الحاكم الفرنسي لصرف جزء من محصول “الزيارة” على تجهيز فصائل المقاومة، مما يجعل المقولة السهلة والجاهزة تحت طائلة ألف سؤال وسؤال، ونعني تلك الفرضية الملتبسة التي وردت في بعض الأطاريح حول المنطقة كـ”الخيانة” و”العمالة للمستعمر” ومحاربة فصائل المقاومة التي استقوت، أي تلك المقاومة خاصة بين 1911 و1927 في صفوف اولاد الحاج وبني وراين وبدرجة أقل لدى هوارة اولاد رحو وهوارة الأحلاف. يضاف إلى تلك الرسائل وثيقة بالفرنسية هذه المرة تحمل ترخيصا بجمع “الزيارة”، أي تلك المقادير المالية والعينية التي تجمعها الزوايا من مريديها أو المتعاطفين معها.

إن الدور الجوهري الذي اضطلعت به الزاوية، تحت قيادة الشيخ حميدة المذكور، لم يقتصر على مد الإدارة الاستعمارية بالمعلومات حول مسائل معيشية عادية، ولكنه – للإنصاف فقط – كان يتمحور حول سؤال مد العون للمقاومين ولو بصيغ ملتبسة كما جاء في الرسالة السابقة، بل يعتبر صاحب الكتاب أن الزاوية كانت مخاطَبا أساسيا ليس من طرف الإدارة الاستعمارية فقط، ولكن أيضا من قبل فصائل المقاومة الميدانية، التي لم يسجل عنها أي موقف سلبي تجاه الزاوية، مما يزيد من دحض وتفنيد فكرة “الخيانة”، حسب المؤلف دائما. ويؤكد كل هذا رسالة تحمل رقم 28 من توقيع رئيس مكتب بويعقوبات ونواحيها (الفرنسي طبعا) تضمنت إخبارا بـ”اندحار الحركة” ربما في إحدى المواجهات العسكرية، كما تحفز أهل بوراشد على اتباع رأي شيخهم بالوقوف على الحياد بين قوات الاحتلال ومجموعات المقاومة، مقابل حماية أموالهم وممتلكاتهم، مع الإشارة إلى أحد شيوخ المنطقة، الذي فشل في تجهيز الجيش وفي إقناع المقاومين بالاستسلام. وفي المقابل أظهر براعة على مستوى تقديم المعلومات الاستخباراتية. يتساءل صاحب الكتاب في عجب: كيف نفهم أن فصائل المقاومة بكل أطيافها في المنطقة، ظلت على مدى سنوات تعتبر هذه الزاوية “وسيطا نزيها” في المفاوضات مع القوات الغازية، بل تعقد اجتماعاتها الحاسمة في فروع هذه الزاوية تحديدا؟ وهل يعقل يضيف الأستاذ بهطاط أن يثق المقاومون في “العملاء” إلى درجة التجمع في منازلهم وعلى بعد أمتار فقط من “بيرو عرب”، وهو المركز الإداري الاستعماري كما لا يخفى؟.

وقد عززت كل تلك الرسائل مكانة الزاوية اليعكوبية البوراشدية، سواء عبر مرتكزاتها الأصل كالنسب الشريف والكرامات المنسوبة لأسلافها أو أخيرا المواقف المستجدة التي تنبئ أحيانا عن دهاء كبير يراعي موازين القوى والأحداث الطارئة على الساحة مهما كان حجمها. وبغض النظر عن كل هذه العوامل لا تخفى أهمية النسب الشريف ليس على الصعيد القبلي الضيق كما هو الحال هنا، بل أيضا على مستوى تأسيس بعض الدول الجامعة كدولتي السعديين والعلويين.

لم تغفل الرسائل إياها الحالة الأمنية، بما في ذلك سرقة المواشي وتهريبها نحو الجزائر المحتلة، وكان المخزن في وقت سابق قد حرم هذه التجارة لأنه اعتبرها عنصرا خطيرا مفضيا إلى التدخل الأجنبي، ولا ننسى المقاومة الشرسة التي واجهت عبرها قبائل المنطقة زحف القوات الاستعمارية الفرنسية غرب وشرق ملوية باسم فتح الأسواق، كما نصت على ذلك اتفاقية الحدود سنتي 1901 و1902، وكانت أبرز محطاتها هزيمة الجنرال المتنطع طوطي في الضفة اليسرى لنهر ملوية خلال معارك أبريل 1911 لتستمر تلك المقاومة عبر الأطلس المتوسط الشمالي إلى حدود بداية 1927 .

ويختم الأستاذ بهطاط كتابه القيم بطرح أسئلة جوهرية حول مسارات متعددة عليها حجب كثيفة من الضباب، تخص تاريخ وتراث المنطقة ورأسمالها الرمزي كالإشعاع العلمي عموما وما يتصل به من فتاوى ونوازل وشخصيات تعاقبت عليها، من قضاة وفقهاء وحتى سلاطين أقاموا بها لمدد معينة، ثم يقدم أخيرا ملحقا بالوثائق والصور، ثم آخر يشرح ملمحا وتقليدا رمزيا هاما، يتمثل في طريقة توزيع المياه بقرية رشيدة، ثم ملحقا ثالثا يخص ترجمة محترمة لقاضي رشيدة وشاعرها أحمد لحبيب اليعقوبي، الذي أوردنا ترجمته ونموذجا لنصوصه الشعرية في كتابنا “تقريب المفازة إلى أعلام تازة” الصادر عن دار المعارف الجديدة بالرباط سنة 2017 .

أخيرا لا بد من الإشارة إلى البياضات الرهيبة الملحوظة على صعيد الوثائق والمخطوطات والعقود والمستندات، سواء ذات الطابع الفردي أو الجماعي، التي استفزت الكاتب وجعلته يطرح جملة من الأسئلة حول الضائع منها أو المختفي، أو المهرب عمدا لسبب أو لآخر، ومن نماذجه الحريق الغامض الذي أتى على الخزانة العلمية التي كانت ملحقة بمسجد رشيدة، أوائل ثلاثينيات القرن الماضي، وكانت نتيجته الوحيدة المؤكدة هي ضياع ثروة علمية وتاريخية لا تقدر بثمن.

يحكي صاحب الكتاب عن مصدر موثوق أنه – أي المصدر – استضاف ذات ليلة “مسؤولا ساميا” بمنزله في قرية رشيدة قبل أكثر من عقدين فاستغل هذا الأخير وجود بعض وجهاء القبيلة معه على مائدة العشاء ليهددهم بأنه سيحرض عليهم وزارة الثقافة لتصادر ما تحت أيديهم من “كنوز” باعتبار أنه تراث مملوك للدولة وليس للأشخاص. وأضاف هذا المسؤول بعض بهارات التهديد والوعيد. ومباشرة بعد هذه الجلسة/ السهرة غير العادية طرق طارق تحت جنح الظلام باب “المصدر المسؤول” وسلمه ظهر سلحفاة مزركشا، له “حلقة” يحمل ويعلق بها، وطلب منه أن يعطيه للمسؤول “السامي” ويبلغه رسالة قصيرة مفادها “هذا نصيبك من تركة جدك فاتركنا بسلام”.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى