كُتّاب وآراء

في ذكرى طريق الوحدة

يأتي هذا المقال بمناسبة تخليد الذكرى 64 لإنشاء طريق الوحدة، والذي يحتفل به الشعب المغربي يوم الإثنين 5 يوليوز 2021، وفاء بأسمى معاني العمل التطوعي والكفاح الوطني في سبيل البناء والتشييد والتحديث، هذا الطريق الذي يتجدّد في كل لحظة من لحظات العمل من أجل الوطن، يداً في يد، في وحدة وقوة وتمكين.

تم إنجاز طريق الوحدة، الذي ربط شمال المغرب بجنوبه، على إثر النداء الملكي السامي الذي وجهه، في يوم 15 يونيو 1957، الملك المجاهد محمد الخامس، طيّب الله ثراه، من مدينة مراكش، داعياً الشباب المغربي إلى التطوع  للمشاركة في تنفيذ هذا الورش التنموي الضخم، وكان المغرب آنذاك قد خرج من حقبة الاستعمار حيث الموارد قليلة جداً والبنية التحية غير مكتملة، ومع ذلك نجح المغاربة في هذا المشروع الكبير، وخرج الطريق للوجود في ظرف قياسي وبإمكانات مادية شبه منعدمة، مما جعله ورشاً تنموياً رائداً ومتقدماً ومصدر إلهام وأمل في غد أفضل لكل المغاربة.

لم يكن طريق الوحدة مخطّطاً له بالكيفية التي تُخطّط لها المشاريع التنموية الحالية، والتي تأخذ وقتاً طويلاً وطلبات عروض موسّعة وإمكانات مادية هائلة، وإنما كان هذا الطريق حلماً راود المغاربة ملكاً وشعباً فسعوا إلى تنفيذه مباشرة بسواعد الشباب وبما توفر من مواد وموارد على قلتها، فحقّقوا المعجزة، وانتصروا على الظروف الصعبة، وقدموا المثال الحيّ على قدرتهم واستحقاقهم للتنمية عندما تتوفر الإرادة والتشجيع وتثمين المُنجَز وتحرير الطاقات، ومنح الفرصة للشباب لكي يبدع وينجح.

ما العوامل التي ساعدت على إنجاح هذا الطريق؟ وكيف استطاعت المبادرة الملكية للملك المجاهد محمد الخامس طيب الله ثراه، أن يحظى بكل هذا الإقبال والالتزام والامتثال والتعاون في سبيل إنجاز ورش تنموي من حجم طريق يتجاوز طوله ثمانين كيلومترا، ويخترق الجبال الوعرة؟

واليوم مع صدور التقرير العام للنموذج التنموي الجديد، كيف يمكن أن ننظر إلى طريق الوحدة على ضوء المقترحات الجديدة التي جاءت في هذا التقرير؟ ما التقاطعات الكبرى بين ورش طريق الوحدة وطموح النموذج التنموي الجديد؟ هل يمكن الحديث عن قواسم مشتركة بينهما؟

هناك جملة من القواسم المشتركة بين إنجاز طريق الوحدة، واقتراح النموذج التنموي الجديد، وخاصة سياق الإعداد، أو صياغة الفكرة وجذورها:

انتزع المغرب استقلاله سنة 1956 وفي أقل من عام، كان الطموح كبيراً لبناء المغرب الجديد؛ مغرب الحرية والكرامة والعزّة، وترجمت هذا الطموح الجماعي إرادة ملكية سامية، حمَلت همّ البناء والتشييد والتحديث، فنجدُ الملك المجاهد محمد الخامس، طيب الله ثراه، يعطي انطلاقة تشييد طريق الوحدة، الذي يخترق الجبال الوعرة ويحتاج إلى إمكانات هائلة، فيكف سيتم إنجاز هذا الطريق؟

إن إبداع الفكرة ينبغي أن يوازيه إبداعٌ في تنفيذها، وخاصة إمكانات الإنجاز والتحقّق، وإلا اعتُبرت الفكرةُ ضرباً من التنظير المجرّد عن الواقع والكلام الخالي من أي فعالية تطبيقية، وقد كان جلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، على وعي تام بما تقتضيه اللحظة التاريخية من جرأة في إبداع الأفكار الرائدة، وكان رحمه الله يدرك يقيناً كم  تتطلبه هذه الطريق من موارد ضخمة، ولذلك أبدع في شكل تدبير هذه الموارد، باستلهام “التطوع” من التراث الإنساني المغربي، فالمغاربة عرفوا التطوع والتبرع والتعاون في كثير من مجالات حياتهم اليومية، وفي الأعياد والمناسبات والعادات والتقاليد، بل وفي أعمال الفلاحة مثل ظاهرة “التويزة”، وفي الصناعات الغذائية مثل ظاهرة “العباسية”، وغيرها من أشكال التعاون والتبرع بالعمل داخل المجتمع المغربي، ولا ننس أنَّ أعمالاً كبيرة في تاريخ المغرب كانت ثمرة هذا التطوع والتبرع والتضحية، ومنها على سبيل المثال، جامعة القرويين التي بنتها فاطمة الفهرية عام 245 هجرية بأموال ورثتها من والدها الذي كان تاجراً، فتبرّعت بما لديها من مال في سبيل بناء جامعٍ، تحوّل إلى جامعةٍ عالمية، وكان له أثر واضح في الحياة الدينية والعلمية داخل المغرب وخارجه، بل له تأثير على تقدّم الحضارة العربية الإسلامية في الغرب الإسلامي في شمال إفريقيا والأندلس، والمشرق كذلك وفي إفريقيا جنوبي الصحراء.. وكل ذلك بفضل تبرّع امرأة مغربية بنصيبها من الإرث في سبيل بناء جامع للصلاة.. فتقبّل الله منها وبارك في عملها، ولذلك يدرك المغاربة قيمة التبرع والتضحية والوقف الإسلامي والبذل في سبيل الإنسانية وإحياء الأرض الموات بحفر الآبار وإنشاء سقايات السبيل، ودفع البلاء عن الكائنات بأوقافٍ على الطير والحيوان.. وهذه القيم الإنسانية السامية هي التي استلهم منها الملك المجاهد محمد الخامس، طيب الله ثراه، روح طريق الوحدة فوفّر ما تحتاجه بفضل تعاون الشباب وتضحيتهم وإخلاصهم في العمل التطوعي، ليبقى خالداً هذا العمل النبيل إلى يومنا هذا، يتجدّد الاحتفاء بذكراه كل عام، لترسيخ قيم العطاء والبذل في نفوس الناشئة والشباب الصاعد.

بالعودة إلى التقرير العام للنموذج التنموي الجديد، نجد أنه يتأسّس على تشخيص دقيق للواقع المغربي المعاصر ورصد مجمل انتظارات المغاربة، عبر لقاءات مباشرة مع السكان من مختلف الجهات والفئات، استجابة للتعليمات الملكية السامية الرامية إلى إعادة النظر في نموذجنا التنموي، وبلورة منظور جديد، يستجيب لحاجيات المواطنين، ويكون قادراً على الحد من الفوارق والتفاوتات، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية ومواكبة التطورات الوطنية والعالمية.

نجد هذه الروح العالية من الطموح نحو التحديث، حاضرة بقوة في خطاب جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في خطبه السامية التي افتتح بها الدورات التشريعية خلال السنوات الأخيرة، وأيضاً في خطب عيد العرش المجيد، وخاصة في 29 يوليوز 2019 دعا اللجنة المكلفة بإعداد النموذج التنموي إلى التجرد والموضوعية والنزاهة والجرأة، في إعلان الحقيقة، ولو كانت قاسية أو مؤلمة، وأن تتحلى مقترحات اللجنة بالشجاعة والابتكار في اقتراح الحلول.

وبالعودة إلى طريق الوحدة الذي نجح المغرب في إنجازه عام 1957، نجد عنصري الشجاعة والابتكار في الحلول حاضراً بقوة؛ هناك مبادرة ملكية ترجمها نداء جلالة الملك المجاهد محمد الخامس طيب الله ثراه، لعموم المغاربة في إنجاح هذا الورش الكبير، فهناك جرأة في ابتكار المشروع، وأيضاً إبداع آليات التنفيذ، وليس ذلك على المستوى النظري فحسب، بل الدخول في مراحل التنزيل، إذ كان ولي العهد آنذاك جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، أوّل الشباب المتطوعين ضمن أكثر من 12 ألف شاب تقدموا للعمل التطوعي، يمثلون خيرة الشباب المغربي الذي يتسم بالقوة والأمانة والإتقان والوفاء للوطن والملك.

إن الاهتمام بالشباب وتحرير الطاقات ومنح الكفاءات فرصة العمل والإنتاج وتحقيق الذات، وتشجيع المبادرات، من أهم آليات إنجاح أي ورش تنموي، وخاصة إذا كان هناك تعزيزٌ للوعي الوطني المسؤول، والإحساس بفخر الانتماء للوطن والاعتزاز بالهوية، ولذلك نجد هذه العوامل كلها حاضرة في مراحل إنجاز طريق الوحدة؛ من الفكرة إلى الإنجاز، فقد كان وجود ولي العهد ضمن الشباب يعمل جنباً لجنب مع المتطوعين وتحت أشعة الشمس وفي ظروف جبلية وعرة، مصدر فخر للشباب المغربي، الذين اتخذوا ولي العهد قدوة لهم، فكان الحماس منقطع النظير، وكان العمل متواصلاً ودؤوباً من أجل تحقيق الانتصار على الذات أولاً في تحدّي كل العوائق؛ وخاصة الظروف المناخية الصعبة ونقص الإمكانات المتاحة، ثم تحقيق الانتصار على أعداء المغرب، الذين ظنوا أنه لن يفعل شيئاً كبيراً في التنمية بدون تدخل المستعمر أو القوى الغربية، فأثبت الشباب المغربي قدرتهم على الانعتاق من كل تبعية للإمبريالية الكولونيالية، وبسواعد الرجال الأقوياء حفروا الصخور الصلبة، واخترقوا الجبال الوعرة، في مشهد لم يتكرر إلا في حدث المسيرة الخضراء عام 1975؛ وهي الأرقام نفسها التي تذكّرنا بحدث طريق الوحدة  (عام 1957)، مع تقديم رقم 5، ولعلها الإشارة إلى النجمة الخماسية للعلم الوطني المغربي أو أركان الإسلام الخمسة، أو أصابع اليد في وجه أعداء المغرب وحُسّاده..، وهي المسيرة السلمية التي كانت بدورها مبادرة ملكية رائدة ومبتكرة، استجاب لها الشعب المغربي الأبيّ الذي هبّ عن بكرة أبيه ووقف وقفة الرجل الواحد في سبيل استكمال الوحدة الترابية للمملكة وراء قائد المسيرة جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه.

إن فكرة “الوحدة” تظل عنصراً أساسياً ضمن المشروع المغربي على مر العصور والأزمنة، تلك الوحدة التي تتجاوز وحدة التراب والهوية إلى وحدة المبادئ والقضية، وعلى رأسها المؤسسة الملكية، التي كانت دائماً صاحبة الريادة في إطلاق المبادرات، ولذلك كان طريق الوحدة، وكانت المسيرة الخضراء، وكانت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وأخيراً النموذج التنموي الجديد، والتي تمثل محطات بارزة في التاريخ المعاصر للمغرب الجديد، وقد عبّر عن هذه المعاني المتجدّدة والمُجدِّدة، والتي حضَرَتْ في طريق الوحدة الملك المجاهد محمد الخامس عندما قال، رحمه الله وقدس سرّه: “بفضل هذه الطريق المباركة، تضاعفت وسائل الاتصال بين الشمال والجنوب، وتم التوحيد بينهما على صورة أكمل، ذلك التوحيد الذي طالما كافحنا من أجله وتحرقنا شوقا إلى استرجاعه، وأي دليل أقوى على تعلق المغاربة بوحدتهم من هذه المشاركة في أعمال المتطوعين التي قام بها سكان هذه المناطق بحماسة وإيمان”. ولذلك لا عجب أن نجد حضور الملوك الثلاثة: محمد الخامس والحسن الثاني ومحمد السادس في لوحة واحدة تزيّن بعض الأوراق النقدية في المغرب، لُتعبر عن استمرارية مبادرات التجديد والتحديث والبناء..

إن الحديث عن إنجاز طريق الوحدة عام 1957، وخاصة تلك الروح الجماعية التي أسهمت في إنجاحه، والمتمثلة في حماس الشباب وإيمانهم بالمشروع، لا تسعه صفحات هذا المقال الذي كُتب احتفاءً بهذه الذكرى الخالدة وتعبيراً عن وصل الماضي بالحاضر، ولذلك كان تخليد هذه الذكرى كل عام، واجباً وطنياً لاستلهام روح الجهاد الأكبر، وهو جهاد التنمية بعد تحقيق الجهاد الأصغر المتمثل في طرد الاستعمار وانتزاع الاستقلال ثم استكمال الوحدة الترابية للمملكة باسترجاع الأقاليم الجنوبية في الصحراء المغربية، كل ذلك له دلالاته المتجدّدة، فالتاريخ يمثل الحضارة، ومَنْ لا يعرف تاريخه لا يستطيع فرض وجوده في عالم اليوم، ولذلك والمغرب على أبواب تنزيل النموذج التنموي الجديد يتطلع إلى فتح أوراش جديدة تليق بمغرب الغد، بعدما أعلن جلالة الملك محمد السادس نصره الله عن مشاريع اجتماعية واقتصادية تاريخية رائدة، أحيت الأمل في شباب المغرب وعموم المواطنين، وزرعت الأمن في نفوسهم، وأعطت المثال الحيّ على روح العمل الجاد والمثمر، فهناك فرصة لتحرير الطاقات وابتكار آليات جديدة في تنزيل هذا النموذج التنموي الطموح، برؤية مغربية منفتحة وجريئة ومؤهلة، وبحسّ وطني متشبّع بالثوابت المغربية وبأصول الهوية والتاريخ المجيد للأمة المغربية تحت القيادة الرشيدة لأمير المؤمنين محمد السادس نصره الله وأيده، وضمن استمرارية العهد الجديد مع مبادرات ولي العهد السعيد سمو الأمير مولاي الحسن حفظه الله ورعاه.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى