منبر هسبريس

حكاية الاشتراكية والريف الإنجليزي

كان قد مضى أقل من أسبوعين على إقامتي بضيعة “كوركانس” حين قرر الأستاذ تيجاني مغادرة الريف الإنجليزي، كان خدوما ولطيفا معي طيلة المدة التي جمعتني به في الضيعة، كان يتسم بالصبر والأناة، مما جعلني أفتقده كثيرا. بدأت عقارب الزمن تزحف نحو الأمام وموسم الدراسة في المغرب على الأبواب. سيرحل الأستاذ في التاسع من شتنبر عائدا إلى أرض وطنه، تاركا وراءه فراغا قاتلا في ضيعتنا. من دونه سيسكن الحزن إقامتنا بالمرآب وسيغشاها الضجر، ذلك أن تيجاني لم يكن كباقي الطلبة القاطفين، فهو يمتلك كاريزما جذابة ويتواصل مع الجميع بسلاسة ملفتة بمن فيهم لولو.

لقد رسم حكاية جميلة في مخيلتي، لن أستطيع نسيانه لأنه أنقذني من التسكع بشوارع لندن، خلصني من استجداء المهاجرين والتودد إليهم بمقهى كازابلانكا. سيظل عالقا في ذاكرتي طيلة حياتي، لطالما سمعت أبي يردد: من لم يشكر الناس لم يشكر الله. رجل حنون مفعم بالعاطفة ومشاعر المحبة تجاه الجميع. أستاذ ذو كفاءة عالية ومقدام لا يعرف التردد والكسل، سأفتقد قفشاته الشعرية والاستماع إلى حكاياته المشوقة. مروياته تطربني وتسبح بخيالي في الفضاء وأنا مستلق على ظهري داخل كيسي أنظر إلى سقف المرآب. لا شك أن لولو سيصاب بنوبة حزينة عندما يستشعر رحيل صديقه تيجاني. لا أحد منا سيغدق عليه بالرفق والحنو مثله. شيعته إلى محطة القطار لأقول له وداعا أيها الأستاذ النبيل، ولربما لن تراني بعد يومي هذا أبدا، سأنهمك في قطف التفاح لبضعة أسابيع ثم أعود مثلك إلى أرض الوطن. أعلم أن زملاءك بثانوية للا أمينة بمكناس ينتظرونك على أحر من الجمر، ويتوقون لسماع مروياتك وتجربتك في بلاد الإنجليز بشوق ولهفة. سترحل وتبقى روحك المرحة محفورة في ذاكرتي، صور المحبة ستظل شامخة في ذهني على أمل اللقاء بك مجددا في يوم ما.

في يوم الغد، صعدنا الجرار كالمعتاد وانطلق بنا إلى إحدى حقول تفاح “كينت” لقطافها. لقد أمضينا عشرة قاطفين فقط. هذه المرة صف الأشجار الذي سأتولى قطفه لا يحتاج إلى سلالم لأن الضيعة تحوي أشجارا من صنف قصير، ويمكن قطف ثمارها وأنت واقف مكانك فوق الأرض .

مررت بصف أشجار مجاور فوجدت بوريس وألكسندر منغمسين في قطاف التفاح، لمحت صناديقهما الممتلئة فكان عددها يتجاوز المائة بكثير، ذلك أنهما شابان بولنديان يعملان بجهد وصرامة فائقة، فهما نشآ في بيئة قاسية لا يتسرب إليها الدعة والكسل، يصف بوريس بولندا قائلا: إن حياتهما تطبعها القساوة والانضباط في كل شيء، الخدمة العسكرية إجبارية على الجميع، المواطنون يزاولون عملهم بتواصل دؤوب تحت إمرة الحزب الواحد، وعيون المخابرات ترقب كل شيء وتحصي أنفاس المواطنين.

سألته عن طبيعة النظام الاشتراكي في بولندا، فطالعني بوجه واجم مطبقا على شفتيه، واسترسل قائلا :

“ليس هناك ما يثير الثناء والإعجاب عندنا، حياتنا تشبه حياة جنود داخل ثكنة عسكرية، يخيم عليها البؤس والتعاسة، يكتنفها الروتين واللون الواحد، نشتغل كآلات متحركة بتوجيه من حزب حديدي تطبعه الغلظة والشدة”.

بينما يسترسل بوريس في حديثه، انتفضت ذاكرتي وحلقت بي في فضاء ظهر المهراز بجامعة فاس حينما حللت ضيفا عند أصدقائي الطلبة. وجدتني أمام ملصقات ماركس، لينين، كاسترو وعبد الناصر على جدران مهترئة. شباب نحيف يرتدي سراويل جينز بالية بشعر منفوش ولحى مبعثرة على وجوههم، يدخنون سجائر رديئة ويشفطون الدخان في الهواء بانتشاء، يتوهمون أنفسهم كثائرين أمميين، يحاكون الثائر العالمي غيفارا، ولكي تكتمل الصورة لا بد أن يحدثك الرفيق وعيناه الناعستان مرفوعتان إلى السماء حتى يبدو ساهما، وقد أتى على لسانه ذكر الفيلسوف نيتشة عدة مرات. هؤلاء يطلقون على أنفسهم “المناضلون الطبقيون”. يكتبون شعرا ملتزما على الحيطان ومنشورات تنظيماتهم الراديكالية.

كنت أقف مشدوها وأنا أرمق طالبين يساريين يلهبان طلبة متحلقين حولهما بخطب حماسية رنانة. كانا مفعمين بأفكار ثورية تقدمية، يشرحان للطلبة أدبيات فكر اليسار الجذري باندفاع غامر. ينتقدان أوضاع البلاد في جرأة نادرة. ثمة شاب بسحنة داكنة يدعى الحجام كان خطيبا مفوها، كان يلبث يخطب لساعات طويلة يشرح فيها نظرية حتمية الصراع الطبقي لدى المجتمع، يطير بنا إلى موسكو مفسرا كيف تم إسقاط الحكم القيصري الغاشم في ثورة بلشفية حمراء، بيد أن رفيق دربه كان شابا طنجاويا ذا بشرة بيضاء يدعى أيمن لا يقل عنه اندفاعا وتألقا في الخطاب السياسي. كان مشهدا حماسيا رائعا لم أتعوده في جامعة تطوان الحديثة العهد. أيمن كان يعدد على مسامعنا توحش الإمبريالية وعيوب النظام الرأسمالي الذي يقوم على استغلال ثروات الشعوب، كان يرى في الطبيب الثائر غيفارا مخلصا من الظلم الطبقي وأيقونة الفكر التحرري بأمريكا اللاتينية.

لما عدت إلى حي المحنش بتطوان حدثت زملائي عن حماسة الطلبة القاعديين وملامح التغيير التي تلوح في الأفق، تخيلت الثورة قادمة لا محالة على النظام الطبقي الفاسد، كيف لا وأنا رأيت بأم عيني ماهية الخطاب الثوري الذي كان يسلب الألباب وينفذ إلى قلوب الطلبة. هكذا كنت أعتقد بكل بلاهة، لكن سرعان ما اكتشفت لاحقا أنها مجرد أحلام يقظة وأفكار طوباوية بعيدة المنال، ينشدها شباب تنقصه الخبرة في دروب السياسة الملتوية. شباب لا يملك من أمره شيئا. حقيقة الصراع الطبقي والعالم الشيوعي سأتعلمتها هنا بمزرعة كوركانس جنوب إنجلترا عبر احتكاكي ببوريس وألكسندر القادمين من العالم الاشتراكي البعيد.

بوريس لا يخفي إعجابه بنقابة “تضامن” العمالية التي يقودها ليش فاليسا المعارض، أما ألكسندر فقد سقط والده قتيلا في إحدى مظاهرات النقابة بوارسو مما خلف له جرحا غائرا في قلبه. الصحافة مؤممة والأفواه مكممة في بولندا، الشوارع تكسوها يافطات تشيد بالحزب الواحد مع صور عملاقة لماركس ولينين تزين جدرانا ضخمة. لا مجال لمظاهر حياة الترفيه واللهو، فالنظام الصارم يحتم على مواطنيه أن يشتغلوا كأجراء وموظفين متساوين يعملون بتشاركية وانضباط شديد، لأن رأس المال ووسائل الإنتاج في ملكية الدولة. بوريس يكره لينين وستالين ولا يكن أي ود للاتحاد السوفياتي بل على العكس يستطيب العيش في أمريكا وبريطانيا ويعشق قيم الحرية والديمقراطية. حينما ينهي عمله الموسمي بحقول التفاح يكون قد وفر مبلغا وافرا من الجنيه الإسترليني له قيمة زائدة في بلاده. يتحسر مضيفا: “ليس لدينا سلسلة مطاعم مكدونالد، ولا “كنتاكي شيكن” كما لا نشرب كوكاكولا في بلدنا. نظامنا يفرض لونا واحدا من نمط العيش، وهذا يفرز عقليات شاذة وتوترات نفسية لدى المواطنين. ليس لدينا ما يحفزنا لمظاهر حياة جميلة لأن دولتنا شمولية تحجر على كل شيء، على ماذا سنتنافس؟، البشر سواسية عندنا، والتنافسية تقتصر على التملق للحزب الحاكم لا غير” .

عندما ينهي بوريس وألكسندر عملهما بضيعة كوركانس سيلجآن إلى شارع أكسفورد ستريت وبيكاديلي وسط لندن لاقتناء سراويل جينز ولفايس ليعرضانها للبيع ثانية في بولندا. ذلك أن الشباب البولندي متعطش لمظاهر حياة غربية ساحرة، ومتلهف لسماع موسيقى الروك ومايكل جاكسون. بوريس يعشق مادونا وفرقة داير ستريت، أحيانا يختلي مع زملائه لمشاهدة أفلام هوليوود المحظورة على أشرطة فيديو مهربة قصد الترويح على النفس والهروب من حياة ضجرة بئيسة.

ذات مساء خرجت أتجول وحيدا بين أشجار المزرعة الفيحاء. مشيت بخطى حثيثة نحو كنبة خشبية، استويت فوقها وسرحت بصري نحو السهول الخضراء. كنت أحمل معي كتابا في الفيزياء الحرارية لأستذكر بعض دروس ثيرموديناميكا. بدأت أحضر نفسي للرجوع إلى بلدي لاستئناف السنة الدراسة الأخيرة التي اقترب أجلها، صار الكتاب هو مؤنسي بعدما رحل تيجاني.

في هذه الأثناء مر أمامي ألكسندر فاسترعى انتباهه غلاف كتابي، اقترب مني ليسألني :

“- عما يتحدث كتابك؟

أجبته فورا :

– عن مادة ثيرموديناميكا !

– لكنه ليس باللغة الإنجليزية؟

– نعم، نحن في المغرب ندرس كل العلوم بالفرنسية .

– أنا أيضا أدرس الفيزياء الفلكية بجامعة وارسو !

– جميل جدا، وهل تدرس بالإنجليزية؟

– لا لا نحن ندرس كل شيء بلغتنا البولندية لكنني محب للثقافة الإنجليزية .

– هل تحب بلاد الإنجليز؟

– أكيد، أعشق الحياة في إنجلترا وأمريكا بشغف كبير .

– لكنك نشأت في بيئة اشتراكية ثورية تحتم عليك النفور من العالم الرأسمالي ..

– أتسخر مني يا “سام”! وهل هناك وجه شبه بين الحياة في وارسو والحياة في لندن؟”.

شدني الاستغراب لما رأيته يخوض معي في حديث ثنائي، كان يخاطبني باسمي وأنا الذي كنت أحسبه انطوائيا مصابا بمرض التوحد !

فأجبته في هدوء :

“- إذن أنت لست من أنصار الزعماء لينين ، ستالين وتيتو؟

– أبدا أبدا، أنا تستهويني أفكار شرشل وأتقزز من أفكار ستالين الدموية، كما أرى ثاتشر أرقى بكثير من غورباتشوف. بولندا لا توجد فيها حريات ولا رفاهية، الحياة فيها رتيبة ومزعجة” .

استطرد قائلا :

“- دعنا من السياسة والتاريخ ولنرجع إلى الفيزياء ..

– مرحبا بك ألكسندر، حدثني عن الفزياء؟” .

أشار ألكسندر بيده نحو شجرة تفاح قبالتي قائلا :

“- هذه شجرة جميلة تشبه شجرة تفاح إسحاق نيوتن .

قلت له :

“- أفصح أكثر، هل تقصد العالم الإنجليزي نيوتن؟ .

– نعم، نعم، أحيانا أجلس فوق هذه الكنبة لساعات طويلة أتأمل هذه الشجرة الملهمة محاكيا العالم نيوتن وأنتظر سقوط تفاحة على الأرض.

بدا لي ألكسندر كبروفيسور عبقري يحمل نظارات طبية مستديرة يحاول استفزاز عقلي، كانت ملامح النبوغ تتألق في عينيه، طفق يحدثني عن شجرة التفاح التي كانت سببا في إلهام العالم إسحاق نيوتن في اكتشاف قانون الجاذبية، بل توسع في شرحه أكثر وتطرق لموضوع الجاذبية المضادة. شغفه بالفيزياء دفعه للجلوس فوق الكنبة محدقا في شجرة التفاح كما لو كان يتخيل أمامه شجرة إسحاق نيوتن ببلدة غرانثام بشرق إنجلترا.

ومن مكر التاريخ، مارغريت ثاتشر حاكمة بريطانيا ولدت في نفس البلدة التي شهدت مولد إسحاق نيوتن قرب أشهر شجرة تفاح في تاريخ البشرية، وهي الشجرة التي أسرت عقل ألكسندر ويعتزم زيارتها بعد انتهاء موسم القطف .

بعد وهلة قصيرة، انصرف عني ألكسندر وتابع سيره متجولا بين أرجاء المزرعة، يمشي بخطوات متثاقلة وهو شارد يرفع رأسه إلى السماء، يحدث نفسه في صمت. سرعان ما اختفى بين الأشجار متواريا عن ناظري، كنت أسمعه يصيح كمريض مجنون وهو الشاب الانطوائي الذي نشأ في بيئة منغلقة، كاد يفقد أعصابه وهو واقف أمام الأشجار يصرخ فيها، يشتمها بصوت عال لكنها لا تكترث. كان يتخيل الأشجار المتراصة أمامه كجنود عتاة أطلقوا النار على والده. يغضب ويتألم بشدة، كان حانقا على بلده بولندا. طفق يلعن لينين وستالين بأعلى صوته حتى نشف ريقه، بعدها انهمك في شتم الزعيم البولندي “هنريك يابونسكس” قاتل والده بشوارع واسو، وحين فرغ من الصراخ أطلق زفرة قوية، استجمع شتاته من جديد، ثم عاد أدراجه إلى المرآب مغمغما بشفتيه وكأن شيئا لم يحصل…

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى