مجتمع

“السُّلطة اللسانية والتربية” .. التعليم ضحية تصارع اللغات في المغرب

أوضح حسن الطالب، الأستاذ الجامعي والمترجم، أن الوضع اللغوي بالمغرب ما زال يطرح إشكالات عديدة على صعيد الاكتساب اللغوي السليم، معتبرا أنه مشكل ما زال يراوح مكانه، رغم كل الجهود التي بذلت من طرف الحكومات المتعاقبة منذ الشروع في تطبيق إصلاح المنظومة التربوية.

وأضاف الطالب أن إصلاح التعليم، والتعدد اللغوي خاصة، يبدو للمتتبع البسيط أنه تحول إلى قضية دولة وملك وشعب بأكمله، متسائلا “هل استنفدت الجهود كل ما في جعبتها من حلول ومقترحات؟ وأين يكمن الخلل بالذات؟”.

وتابع “حقيق بنا الاعتراف أنه مشكل بنيوي معقد للغاية وتتداخل فيه عدة عوامل”، مستعرضا وثيقة كتبت في سنوات التسعينيات (1997)، تتعرض إلى إحدى المعضلات، التي تنتصب أمام المسألة التربوية في المغرب، هي التعدد اللغوي الذي لا يزال يحدث شروخا عميقة في جسد هذه العملية، وفق تعبير الطالب.

وأبرز الأكاديمي المغربي أنه رغم الاعتراف باللغة الأمازيغية منذ خطاب الملك في أجدير وإدخالها في المنظومة التربوية، فإن هذا التعّدد، والأمازيغية جزء منها، لم يحسم الأمور بما فيه الكفاية حتى الآن، مشيرا إلى أن المتمدرسين المغاربة لا يزالون يعانون من الوضع اللغوي الذي ما زال يحتاج إلى إرادة سياسية ومجتمعية في تدبيره تدبيرا عقلانيا لا سياسيا.

في هذا السياق يندرج هذا المقال أو بتعبير أدق، وجهة النظر القابلة للبحث والدرس والمناقشة، يقول الطالب، “لكنها صادرة عن لسان خبير هو ألان بن طوليلا، الفرنسي الجنسية والجزائري الأصل، الذي سبق له أن عمل بتنسيق مع مجموعات بحث في المسألة اللغوية بالمغرب في كل من جامعتي أكادير والبيضاء”.

شكّلت اللُّغة دوما رُكنا من الأركان الأساس لإشكالية التعليم. ولم يحسِم بعدُ أصحابُ القرار وخبراء التربية في الاختيار بين اللغتين العربية أو الفرنسية. وتأتي اللُّغة الأمازيغية كرافد ثالث ينتفع من هذا الصراع لتزيد الوضع تعقيدا في تعقيد.

وعندما نتفحّص الأرقام المتوفرة حاليا يُمكِن أن نخْلُص، دون مجازفة، إلى أنَّ طفلا مغربيا مِن بين ثلاثة أطفال مُتمَدرِسين في سن التّاسعة عاجزٌ عن تلقِّي وتبليغ معلومات كتابية بسيطة بدقة واعتماد على النفس. من ثمَّة لا عجب من تفاقم أرقام الأمية إلى حوالي 55 بالمائة. علاوة على ذلك، من المفيد أن نوضِّح أنَّ هذه النسب أُنجزت على أساس مجرد تصريحات ونتائج يُحتمل أن تكون ناقصة بين 10 و15 بالمائة.

هكذا تُنتِج المنظومة التربوية المغربية سنة بعد أخرى جحافل من الأميين. وإذا كان علينا طبعا ألاّ نستبعد الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فمن الواضح، مع ذلك، أنَّ مصْدَر هذه الأمية الدائمة المتفاقمة يوجد داخل اشتغال المنظومة التربوية ذاتها. وهكذا فإن محاولة إيقاف سيل الأمية في المصب حيث تكون مرافد المياه مفتوحة على أشدِّها قريبا في المنبع محاولة مكلفة وذات مردودية أقلّ. ومن الأنسب أن نهتمَّ، في المقام الأوّل، بمسبِّبات الأمية. وتتلخص تلك المسببات في كلمتين: القلق اللغوي. وهذا يعني أن قسما مُهمّا من التلاميذ المغاربة لا يحْسِنون القراءة والكلام، ويكتُبون بشكل سيئ جدا بلغتهم الخاصة وبها، أي اللغة العربية. وطبعا، ونتيجة لذلك، فهم يعجزون عن امتلاك ملائم لناصية أيِّ لغةٍ من لغات الانفتاح بسبب الأسس الواهية التي يقوم عليها تدريس لغتهم الأم أولا.

فالمشكلة اللغوية هي السبب. وبالطبع ليست السبب الوحيد. لكنها السبب الرئيس في اختلال المنظومة التربوية المغربية. ولأن هذا المشكل مصدر سجالات عقيمة، بل يُتخذُ تعلَّة وذريعة لمواجهات إيديولوجية مفتقِرة إلى أيِّ مرتكزات حقيقية، فإنه لمْ يُطرَح قطُّ بموضوعية ورصانة كافيتين. والطريقة الوحيدة لإضفاء الموضوعية على هذا السِّجال هي التأكيدُ، بصوت عال وحازم، على أنَّ مصلحةَ الطفل المغربي ومستقبلَهُ المدرسي والثقافي والاجتماعي وحدَهُما الأهمُّ. ولا يستجيبُ التَّحليلُ الذي نقترحه سوى لضرورة واحدة، ألا وهي تزويد أغلبية التلاميذ المغاربة- بشكل متساوٍ- بالقدرة على الكلام والقراءة والكتابة. وأمام هذه الضرورة ينبغي على الأحكام القبلية ومصالح المتشددين في مواقفهم أن تتلاشى.

يوجد بين اللغة الأم (الدارجة)، التي يتكلّمُها الطفل المغربي الصغير عند التحاقه بالمدرسة، وبين اللغة التي سيتعلَّم بها القراءة والكتابة فارقٌ تتغيَّر خطورته وطبيعتُه تبعا للوضعيات السوسيو- لسانية المختلفة التي يعرفها المغرب. فكُلَّما ازدادت حِدّة هذا الفارق، وجَدَ الطفل صعوباتٍ في تعلُّم القراءة والكتابة وتعيّن على المدرسة أن توفر له العناية لمساعدته على تخطِّي هذه الهوّة بفعّالية. ومن المناسب التأكيد، منذ الوهلة الأولى، على المبدأ التالي: ينبغي على المدرسة أن تضمن لجميع المغاربة الصغار أنهم سيتكلمون لغتهم الوطنية- العربية- بفعالية، وأنهم سيقرؤون بها بشكل ملائم وسيكتبون بها بدقة. علاوة على ذلك من الضروري منحهم إمكانية إتقان مناسب للانفتاح على لغة دولية أو عدد من اللغات.

لنُمعِن النَّظر في العقبات التي تحُول دون تحقيق هدف من هذا النوع. والواقع أنه يمكن حصرها في خمسة عوائق:

– تتمثل العقبة الأولى في الفارق الموجود بين العربية الدارجة والعربية المكتوبة. ودون الدخول في تحليل وصفي لسنن اللغتين ينبغي علينا، قبل كل شيء، توضيح أن اللغة العربية المكتوبة واللغة العربية الدارجة ليستا لغتين غريبتين إحداهما عن الأخرى. لا جرم أن بينهما اختلافات مهمة، لا سيما في بُنيَتيهِما التركيبية، لكن هذه الاختلافات لا تؤسس نسقين لسانيين متمايزين منفصلين. وهذا يدل إذن على أنه من الممكن بناء جسور بينهما، وكذا تصور صيغ تدريجية لتقارب معجمي وتركيبي بين اللغتين. وإذا كانت اللغة العربية المكتوبة قارّة نسبيا في شكلها وبنياتها، فإن العربية الدارجة تُغطِّي، في الواقع، عددا لا يُحْصَى من الأشكال. وهكذا بين طفل يلِجُ أبواب المدرسة بمحصول لغوي هزيل لا يكاد يتعدّى 500 كلمة، وبين طفل آخر يستطيع استخدام بضعة آلاف من ذلك المحصول، فإن مدى الأمان اللساني في العربية المنطوقة ليس هو نفسه على الإطلاق. هذا يعني، إذن، أن الفارق بين العربية الدارجة والعربية المكتوبة ليس فارقا ثابتا. فكلما كان محصول الطفل من اللغة العربية الدارجة أغنى، كان المرور إلى العربية المكتوبة أسهل. من المفيد إذن منْحُ جميع التلاميذ المغاربة امتلاكا حقيقيا لناصية اللغة العربية المنطوقة قبل الولوج إلى اللغة العربية المكتوبة. هكذا نجد أنفسنا مدعُوِّين إلى التساؤل حول استعمال مصطلح “العربية الدارجة”، الذي يُعدُّ، عبثا، مصطلحا تنقيصيا. ويبدو من الأصوب الحثُّ على استعمال مصطلح “العربية المنطوقة” [الشفاهية] [استعملنا في الترجمة مصطلح العربية المنطوقة Arabe Orale لأن التقابل بين الشفاهي والكتابي غير وارد بالنسبة للعربية المغربية (المترجم)]. وفعلا حينما يحين الوقت قد يكون من المناسب آنذاك وضع التقسيم التالي: “العربية المغربية المكتوبة”، “العربية الكلاسيكية العالمية”.

– ترتبط العقبة الثانية بالفارق الموجود بين الأمازيغية والعربية. والمسألة المطروحة هنا هي من طبيعة مختلفة تماما. فالأطفال الذين يلتحقون بالمدرسة ولا يتحدثون غير الأمازيغية يستعملون نسقا لسانيا لا يُقدِّم، على المستوى الصواتي والتركيبي والبلاغي، أيَّ تشابهٍ مع نسق اللغة العربية. إنها لغة، وينبغي قول ذلك، غريبة على مستوى البنيات اللسانية. وتترتب عن إثبات هذه الحالة نتيجتان: الأولى، هي ضرورة استعمال اللغة الأمازيغية في بداية التمدرس من أجل التواصل في الفصل مع هؤلاء الأطفال. والثانية، الحاجة إلى تعليم نوعي (spécifique) للعربية المنطوقة [الشفاهية] مكيفة مع وضعيتهم كناطقين بالأمازيغية . (berbérophone)

– ورغم ندرة الأبحاث حول الموضوع، يبدو أن كثيرا من التلاميذ الناطقين بالأمازيغية يتوفرون بدرجات غير متساوية على مبادئ اللغة العربية المنطوقة (الشفاهية)، التي سوف يتخذونها قنطرة للعبور إلى عربية متقنة بشكل أفضل. ومن الأهمية اعتبار أن الفارق اللساني بين اللغة العربية وبين الأمازيغية مضاعف بفارق ثقافي لا ينبغي إهماله. علينا، إذن، أن نأخذ في الحسبان ضمن مجموع الأنشطة المدرسية احترام الخصوصية الثقافية للتلاميذ الناطقين بالأمازيغية، وهذا سوف يشكل اعترافا منصفا لجزء هام من تاريخ هذا البلد، وفي الوقت نفسه واجبا بيداغوجيا إزاء التلاميذ الناطقين بالأمازيغية.

– العقبة الثالثة يُمكِن أن نطلق عليها الإرث الاستعماري. فعلى الرغم من أن اللغتين الإسبانية والإنجليزية تشكلان بالنسبة للمغرب الحديث لغتين هامتين ومفيدتين، فإن اللغة الفرنسية لا تزال ترمي بثقلها الكبير على المجتمع المغربي وتعمل، صوابا أم خطأ، على توليد تمثيلات راقية. فهي لغة الإنتلجنسيا ولغة الاستعراض الفكري ولغة الرقي الاجتماعي. إنها في غالب الأحيان طريقة اعتباطية للانتقاء الاحترافي. إلا أن وظيفة اللغة الفرنسية اليوم تحولت إلى لغة اصطناعية (أي مصطنعة في المحافل الفكرية والثقافية)، وللأسف قلة قليلة من المغاربة همُ الذين يتقنونها حقًّا. ودليلي الذي أسوقه على ذلك هو هذا القلق اللساني الذي يُعبِّر عنه، داخل اللغة الفرنسية، قسط وافر من طلبة السنة الأولى بالجامعة المغربية. فلأن هؤلاء الطلبة تلقَّوا تعليما هشا، ولأن ضُعفَهم حتى في اللغة العربية ضُعْفٌ لا تشوبه شائبة، حتى عند الملاحظ البسيط، فإن اللغة الفرنسية، بما هي لغة للانفتاح، لا تؤدي دورا مفيدا في المغرب، ومن ثمَّ فهي لا تفيد، من جهة أولى، لا المسألة الفرنكوفونية، ولا من جهة ثانية، وربما هذا هو الأخطر، مصالح التنمية في المغرب. من هنا أرى أنه على الحلول المقترحة للمشكل اللساني بالمغرب أن تأخذ في الاعتبار قاعدتين بسيطتين:

أن جميع الأبحاث الدولية تبرهن وتؤكد على أنه يجب على الطفل أن يتقن أولا لغته الشفاهية (العربية المنطوقة هنا) قبل الشروع في تعلم لغة القراءة والكتابة.

أن جميع الأبحاث الدولية أيضا تبرهن على أنّهُ لن نتطلّع إلى تعليم لغة أجنبية ما لم يكن الطفل أولا وأخيرا في مأمن داخل لغته الأم.

يبدو، إذن، أنه من الضرورة الملحة أن يكون التمدرس الإجباري مسبوقا بعامين. ووحده هذا الإجراء سوف يسمحُ بمعالجة مبكرة، واهتمام أكبر بالمشكل العويص الذي يؤرق جفون خبراء التربية بالمغرب، والمتعلق بالمرور من اللغة الأم الشفاهية إلى تعلم القراءة والكتابة. هكذا سيتم استحداث سلك مكوَّن من أربع سنوات يمكن تسميته: سلك الأمية اللاانعكاسية. (irréversible) وستكون الأولوية الأساسية في نهاية هذا السلك أن يتمكن أغلبية التلاميذ في سن الثامنة من إتقان العربية المتكلم بها والعربية المكتوبة: مثلا حكي مكتوب بسيط، تفسير موجز، قراءة نصوص قصيرة من 250 إلى 300 كلمة، والكتابة من أجل إيصال معلومة واضحة ومفيدة.

هكذا سيكتسب الطفل المغربي ما بين 4 و8 سنوات معرفة متقنة وكافية بالعربية المكتوبة وبالكلام كي ينجو من خطر العودة إلى الأمية من جديد. وسوف يتم بالضرورة خلال السنوات الأربع من هذا السلك التنويع من إيقاعات التعلم ومناهجه، وسيقوم اختيارها على وظيفة المحصول اللغوي للطفل عند ولوجه المدرسة، والهدف هو تزويد التربية المغربية بقاعدة صلبة، مع الالتزام بمد جميع الأطفال المغاربة بسلطة لسانية حقيقية في لغتهم الأم على المستوى الشفاهي والكتابي على حد سواء. وهذا المبدأ لا يتناقض مع الاعتراف بخصوصية الأمازيغية ولا مع الانفتاح المرغوب فيه على اللغات الأجنبية، بل على العكس من ذلك يُعدُّ شرطا حتميا لهما.

من الضرورة العاجلة التحرك بنية صادقة وعميقة. فالقبول بأن يكون ثلث التلاميذ في قلق لساني يعني القبول في الوقت ذاته بأن يكون مصيرهم المدرسي والاجتماعي محسوم في أمره مسبقا منذ سنهم تلك، وسوف يصبحون ضعفاء في جميع المواد لأنهم عاجزون عن قراءة بيانات الرياضيات ومختصرات التواريخ، وسوف يمتد أثر هذه الصعوبات حتى السنة الجامعية الأولى، حيث اتضح أن 40 بالمائة من الطلبة الجامعيين المغاربة يجدون صعوبة في القراءة والكتابة بالعربية والفرنسية. إلا أن ما يُفاقِم خطورة الأمور هو عجزهم الواضح عن ممارسة مسؤولياتهم كمواطنين حقيقيين. ولأنهم يفتقدون الكلمات سوف ينقادون فورا إلى العنف وممارسته بكل أشكاله العنيفة والمتوسطة ليحل السباب والشتم محل الخطاب، والعنف بدل الحوار. زد على هذا أنهم بحرمانهم من أدوات التفكير والنقد سيكونون، بصفة خاصة، لقمة سائغة لجميع الخطابات المتعصبة والكليانية (الديكتاتورية) والأصولية، وسوف يكونون مستعدين للإذعان إلى التفسيرات الأكثر ظلامية والأقل تمحيصا. السؤال الأساس المطروح اليوم، إذن، على المنظومة التربوية المغربية هو التالي: كيف نقوم بتوزيع التلاميذ المغاربة بطريقة عادلة؟ على الإجابة عن هذا السؤال يتوقف المستقبل الثقافي والاجتماعي والاقتصادي للمملكة المغربية، وقد حاولنا المساهمة في صياغته بقدر كبير من التواضع، وبقدر أكبر من الحيرة بدل الثقة.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى