كُتّاب وآراء

قراءة في رواية “الجنيس”

“الجنيس” هو العنوان الرابع في المسيرة الروائية للروائي المغربي عبد الحميد البجوقي. أو لنقل هي العنوان الأول بعد ثلاثية المنفى، التي صال وجال بنا عبرها في عوالم المنفى والهجرة، “حكايات المنفى عبسليمو النصراني”، “عيون المنفى المورو خايمي”، و”موت في المنفى المشي على الريح”.

وبدون العودة إلى الرصيد الروائي أو تاريخ البجوقي الروائي، يبدو جليا أن رواية “الجنيس” تؤشر لمرحلة جديدة. لعل كلمة “الجنيس” كعنوان أحد المؤشرات الدالة على ذلك. لقد تخلص البجوقي في النص الجديد من شبه الجملة التي اعتاد اختيارها في العناوين السابقة “حكايات المنفى” و”عيون المنفى” كمضاف ومضاف إليه و”الموت في المنفى” كجار ومجرور، كما تخلص من العناوين الإضافية واختار عنوانا من كلمة واحدة رغم أنه احتال علينا بإضافة نص بأكمله هو قصة قصيرة عنونه بـ “خيط العنكبوت” كنص مستقل شكلا لكنه استمرار للرواية بصيغة من الصيغ.

العناوين السابقة كانت تحمل مفارقات جميلة ودالة؛ “المورو” التي تعني المغربي واسمه “خايمي”، و”عبسيمو” التي تعني “عبد السلام” ووصفه بـ”النصراني”، أما “المشي على الريح” فلا يمكن إلا في رواية من روايات البجوقي.

فـ”الجنيس” تركيبيا هي خبر لمبتدأ محذوف يمكن تقديره بهذا أو ذلك. أو مبتدأ خبره النص الروائي بكل تفاصيله وأحداثه، بكل آماله وخيباته، بكل الانتصارات والمواقف والآراء التي عبر عنها الراوي أو المؤلف وحتى الشخصيات. كل الحكايات خبر للجنيس التي تعني دلاليا الشبيه والمماثل كما جاء في تعاريفه.

لقد ذكرت كلمة “الجنيس” في الرواية مرتين دون احتساب العنوان؛ مرة في الصفحة الثامنة حيث يقول “عبد الكريم” الراوي مخاطبا “كارمن” بعدما كان غارقا “في حلم جنيس يذكرني بأحداث عشت بعضها، وأخرى شبيهة كنت شاهدا عليها” (الصفحة 8).

فالرواية منذ البداية تعلن أنها حلم جنيس لأحداث عاشها بطلنا عبد الكريم وأخرى كان شاهدا عليها. أما المرة الثانية التي ذكرت كلمة جنيس فبصيغة الجمع على لسان الراوي في الفصل العشرين حيث يقول “تعددت الحكايات الجنيسة التي سمعها كريم عن مآسي الهجرة السرية، وعايش أبطالها واكتوى بها كغيره من المهاجرين واللاجئين …” (الصفحة 122)، وبين الجنيس كحلم فردي والجنيس كحكايات ونعت لأحلام جماعية، تنتصب الرواية كبرج من خمسة وعشرين طابقا أو رحلة من خمسة وعشرين فصلا.

لقد سافر بنا الأستاذ عبد الحميد على صهوة خياله الممزوج بوقائع وحكايات عاشها أو عايشها؛ فالروايه شبه سيرة لشاب امتطى قاربا ليصل إلى الضفة الشمالية فرارا من بطش مرحلة سميت مغربيا بـ”سنوات الجمر والرصاص”، قبل أن يحصل على وسام شرف غيابي بحكم ثلاثين سنة سجنا قضى منها ما تيسر لاجئا في الجارة الشمالية. ومنها ما قضاه مهاجرا منفيا ولن أقول سريا لأن السري كما يقول البجوقي نقيض للإنساني؛ كيف يكون الإنسان سريا؟

هي أحداث بين ضفتين، الـ”هنا” حيث أسباب الهجرة والـ”هناك” حيث ملاذ المهاجرين.

هي حكايات كثيرة متقاطعة متكاملة أبدع في توليفها البجوقي بلغة الروائي وتفاصيل الخبير وحساسية الشاعر ولوعة المنفي، وطبعا بحرقة الحقوقي.

“الجنيس” ليست فقط رواية لسرد حكايات أو حكاية لرصد واقع أصبح معروفا مبثوثا في ثنايا التقارير عن حقوق وحريات المهاجرين… هي ليست رواية لإضافة اسم ضمن لائحة الكتبة الذين يكتبون لتعلو صورهم صفحات الجرائد أو شاشات المواقع، إنما هي صرخة مدوية في زمن صمت فيه الكل إلا من رحم، صرخة عن الدوافع التي تجعل من الهجرة الخلاص الوحيد لـ”سعيدة” الجميلة العاشقة المكافحة الأم لشاب وشابة في مقتبل الربيع طامعة في خلاص أو شبه حياة لها ولابنيها بعدما أدارت الحياة ظهرها لها ولهم جميعا.

البجوقي في “الجنيس” أعاد قضايا تم وضعها في رف النسيان عمدا إلى طاولة التداول العمومي. الهجرة عبر قوارب الموت ليست هي القضية المحورية كما قد يبدو. الدوافع والأسباب الكامنة وراء هذا الغول الذي يقتات من مستقبل البشرية جمعاء. وليس الواقع المعيشي الصعب فقط. هناك ما هو أهم. إنها الكرامة المهدورة في شوارع وأزقة أوطاننا، إنها دعوة بالصوت المسموع للانتباه إلى الداء وأصله.

لقد استدعى في الرواية تفاصيل يومية من حياة البسطاء هنا وهناك. كما استحضر محطات مفصلية من تاريخ الوطن الجريح، أحداث حقيقية: حادث “طحن مو” المؤلم الذي راح ضحيته الشهيد محسن فكري هو نفسه بكثير من تفاصيله نقله البجوقي من الحسيمة إلى البيضاء، كأنه يقول البيضاء حسيمة والحسيمة بيضاء ومحسن فكري هو ابن سعيدة البيضاوية.

حادث إطلاق الرصاص على القارب الذي راحث ضحيته سعيدة هو نفسه الحادث الذي استشهدت فيه شهيدة الكرامة سعيدة التطوانية منذ بضع سنوات، كأنه يقول إن الحمامة البيضاء هي هي الدار البيضاء. شعار “الموت ولا المذلة” الذي أرخ لانطلاق حراك الريف هو شعار أحد أبطال الرواية.

“الجنيس” حكايات مغربية إسبانية حيث الأحداث تدور ما بين مدريد والبيضاء وواد لاو وتطوان ومرتيل وطنجة بين شوارع وبيوت ومتاجر وكنائس وحانات ومستشفيات، في إشارة دالة لتعدد الأمكنة والأزمنة والثقافات والهويات… يمكن القول إنها رواية تدخل في صنف أدب الجوار الذي يصر البجوقي على المضي في بنائه وسبر أغواره. صاغها الأستاذ عبد الحميد بلغة هادئة تارة، صاخبة تارات، واقعية حينا وحالمة أحيانا؛ إنها رواية على حدود التماس بين نص سردي وقصيدة طويلة وتقرير مفصل لخبير في قضايا الهجرة والمهاجرين. في أحد حواراته، يقول البجوقي بتواضع كبير إنه “يحاول” كتابة الرواية، وكلمة “يحاول” تحيل على مفهوم التجريب لكنه تجريب بعيد عن التجريب الذي يقول كل شيء كي لا يقول أي شيء. هو تجريب لبناء جديد بعد صولات وجولات في القديم قراءة ودراسة وتمحيصا.

إنها صرخة ليس على واقع النفي والمنفي فقط ولا على ازدواجية التعامل هناك في أرض الملاذ والخلاص كما يعتقد كثيرون؛ فخطاب حقوق الإنسان يذوب ويتحلل على أرض الواقع، حيث عنصرية بعض الإسبان يتم فضحها بعناية فائقة عندما يُلبس البجوقي بعض شخصيات الرواية جبة العنصري كما حصل عند حادث الاعتداء على السيدة عائشة في الفصل الثاني من طرف شاب منتم لحركة “الرؤوس الحليقة” العنصرية، أو في التلميحات والتصريحات الدائمة للمحامي “خورخي” الذي لا هم له إلا إثبات همجية وبربرية المهاجرين.

تيمة أخرى هيمنت في الرواية هي موضوع الهوية أو الهويات المتعددة التي يصر البجوقي على أنها هويات وإن تعددت فلا ضرر من تقاربها خدمة للإنسان والإنسانية، وبدل أن تكون نارا تأتي على الأخضر واليابس لا بد من تحويلها إلى ماء يسقي جدور المشترك بين بني البشر.

لقد أبدع الأستاذ عبد الحميد البجوقي في رسم عالم الهجرة والمهاجرين بتفاصيله الدقيقة مستغلا تجربته كمهاجر خبر معاناة البحث عن الذات، خبرته كفاعل في مجال الدفاع عن حقوق المهاجرين وحسه ككاتب مهووس برغبة إعادة بناء عالم خال من الظلم وهدر الحقوق، وبالخصوص بعالم تنتفي فيه ازدواجية المعايير كما تجيدها الدول المساة دمقراطية، خصوصا في تعاملها مع دول الجنوب. ولعل إسبانيا واحدة منها؛ فهي تجيد منطق الخيرات لنا والمشاكل لما وراء الضفة الأخرى.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى