فن وثقافة

مؤسسة الصلاح بالعاصمة الإسماعيلية .. تاريخ صوفي غني ينتظر “ترميم الذاكرة”

حول “مؤسسة الصلاح” بمدينة مكناس، يوثق كتاب جديد خريطة “أهل الصلاح” بالعاصمة الإسماعيلية، راصدا جغرافية المقدس الديني بها، ومعرفا بأوليائها وأدوارهم ووظائفهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والذهنية.

جاء هذا في مؤلف معنون بـ”مؤسسة الصلاح بمكناس.. الأولياء والبنيات والوظائف”، للباحث عبد الواحد الهاروني علوي، الصادر عن مركز رقي للأبحاث والدراسات – مكناس.

ويسجل عبد الواحد الهاروني علوي أن قصده من مفهوم “الصالح” هو “الشخص الذي اشتهر بصفات متميزة أهلته لأن يحتل مكانة مهمة في مجتمعه، ويكون جديرا بأن تكتب سيرته وتحفظ آثاره ومناقبه”، كما يسجل أنه يعني بمصطلح “الصلاح” جهاز التصوف برجاله وطرقه وطوائفه أي “المؤسسة الصوفية”.

وفي تقديمه للكتاب، ينبه الباحث جمال حيمر إلى أن هذا المؤلف جاء “ليسد (…) الفراغ، ويشترع نظرا تاريخيا لقراءة المقدس الذي حفظته الذاكرة وخلده المجال، وليجترح سبيلا علميا في تنظيم وتنسيق التراث الصوفي، ويجعله مفتوحا على القراءات والتأويلات المنتسبة إلى مختلف الحقول المعرفية، وليقترح وجهة نظر تاريخية في تفسير ما يرتبط بالأضرحة والمزارات والمدافن، من طقوس وعلامات ورموز غنية بالدلالات والإيحاءات المُحيلة على قضايا وأسئلة وجودية وتاريخية، وأسئلة محيرة وجدت العامة أجوبة عنها لدى أهل الصلاح”.

ويسجل الباحث أن هذه الدراسة تأتي في وقت حظي فيه تاريخ مدينة مكناس بدراسات غطت مختلف الفترات التاريخية، همت مستويات متعددة شملت التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والعمراني؛ بينما “ظل الجانب الديني عامة، والصوفي على نحو خاص، يعاني من ندرة المقاربة التاريخية والتمحيص الأكاديمي الذي ينفض عنه غبار الإهمال، ويعيد إليه ألقه ولمعانه المستحق، ولا سيما أن حاضرة مكناس اعتُبرت قاعدة لأهل الصلاح، حيث لا تكاد تخلو منطقة من مناطقها أو حي من أحيائها من ضريح أو مدفن أو مزار لأولياء معروفين أو مجهولين”.

من جهته، يقف المركز البحثي المصدر للكتاب عند ما قد تؤدي إليه “أحادية المنهج في دراسة الممارسات والمؤسسات الصوفية” من سقوط في “الاختزال والتشظي والتاريخية”؛ مما يحتم “إعادة تجديد فهم إحداثيات التصوف، وجغرافية مؤسساته، والمعراج الصوفي للولي والمريدين، باستحضار السياق الزمني والمجالي والمجتمعي”.

وخلص المركز إلى هذا، بعد حديث عن كون “مضمرات النص الغربي حول التصوف المغربي” قد ظلت محكومة بـ”مسبقات” مبدئية، تجسد بعضها في المنظور النمطي لثقافة الشرق باعتبارها شيئا بقي ثابتا في الزمان والمكان”، وعن “الكتابات الشرقية حول الخطاب الصوفي” التي انطلقت من كونه تجليا للأدب العربي، حيث عمدت إلى ربط كل الإنتاجات الفكرية المغربية بالأصول المشرقية؛ وحول “الأبحاث المغربية”، التي “منها ما استند إلى المقاربة الوظيفية في دراسة المجال الحيوي للأولياء، ومنها ما حسب الكرامة الصوفية مجرد ظاهرة إنسانية أفرزها مجتمع يعاني الأزمة والخوف من الطبيعة والسلطة”.

وبعد تذكير الباحث عبد الواحد الهاروني علوي بأن البداية الحقيقية لظاهرة التصوف في المغرب ترجع إلى القرن الحادي عشر الميلادي ـ الخامس الهجري، سجل أن الصلاح، قبل هذا التاريخ، “كان ممارسة فردية منعزلة، قوامها فئة من الزهاد الذين اختاروا الابتعاد عن المجتمع والانقطاع للعبادة، قبل أن يتحول التصوف إلى ممارسة جماعية يتولاها الصالح وأتباعه، وتخضع لترتيب معين، وتعتمد على بناء فكري ورؤية محددة للفرد والمجتمع”.

ويميز الكتاب في حديثه عن “تاريخ الصلاح بمكناس” بين مرحلتين: “مرحلة البدايات وفيها نشأ التصوف وتشكل في المدينة”، حيث “كانت أدواره محدودة ومقتصرة على الصالح لا تتجاوزه، ولم تثمر طرقا أو طوائف” ثم “مرحلة الازدهار” التي “تتزامن مع التجديد الذي عرفته الطريقة الشاذلية خلال القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي مع ظهور الطريقتين الجزولية والزروقية، ثم ما لحق التصوف بعد ذلك من تغييرات أغنت الحقل الصوفي بالعديد من الطرق والطوائف المتفرعة عن الطريقة الأم”.

ويتحدث الكتاب أيضا عن “الانطلاقة الحقيقية للتصوف بمكناس”، في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، الذي “مثل مقدمة الازدهار الذي ستعرفه الحركة الصوفية في القرون الموالية”، وهي مرحلة ميزها ظهور عنصر جديد “غالبا ما ألحق بجهاز التصوف، وهو مؤسسة الزوايا” التي “اقتصر دورها في هذه المرحلة على اعتبارها مكانا معدا للعبادة، وإيواء الواردين والمحتاجين وإطعامهم”.

وفي مرحلة الازدهار، يتطرق الكتاب إلى ظهور الطريقة العيساوية التي أسسها الشيخ محمد بن عيسى بمكناس، ويتحدث عن امتدادات طوائف أخرى في وسط المجتمع؛ مثل الطرق الشرقاوية والرحمانية والناصرية والوزانية والتيجانية والدرقاوية والكتانية وغيرها.

ويتحدث الكتاب عن “جغرافية الصلاح بمكناس” مقدما خريطة لصلحاء المدينة، وتوزيع مدافنهم الحالية، ومدافنهم التاريخية، مع الوقوف أيضا عند خريطة توزيع أضرحة “الأولياء المجهولين”، إضافة إلى الأضرحة والمزارات الموجودة داخل أسوار المدينة وخارجها.

ويقدم الكتاب تراجم الصلحاء المدفونين بالمدينة، ومن يُظن أنهم قد وُوروا الثرى بها، من القرن الثالث إلى القرن العشرين الميلاديين. كما يتضمن دراسة للأسر المشهورة بالولاية في مكناس، وللأسلوب التربوي والسلوك الصوفي لـ”العيساوية”، الطريقة الصوفية الوحيدة الناشئة بالمدينة، مع تتبع للطوائف الأخرى الناشئة بالمدينة، التي كانت امتدادا لطرقها الأم خارجها.

ويقف مؤلف “مؤسسة الصلاح بمكناس” عند أدوار هذه المؤسسة بالمدينة، على المستويات الاجتماعية والسياسية والتربوية، ومظاهر الاعتقاد المرتبطة بها، وأشكال تقديس صلحاء مكناسة الزيتون، ووظائف الأضرحة، واستمرار وظائف هذا المقدس، في تأطير المجتمع، ومدى حيوية الاعتقاد في “الصلاح” اليوم، انطلاقا من المعاينة الميدانية والمقارنة مع ما تقدمه الأضرحة في جهات أخرى.

ولا تكتفي هذه الدراسة بالتأريخ والمسح الجغرافي والمقارنة والتفسير؛ بل تتوجه، في ختامها، إلى “القائمين على المعمار والتراث الديني” من أجل “إعادة النظر في الوضعية الحالية للأضرحة والمزارات في مدينة مكناس، قصد الحفاظ عليها وإعادة ترميمها باعتبارها جزءا من الذاكرة المغربية، ولما تحبل به من أشكال العمارة والبناء، وبما تضمه من وثائق منقوشة بالغة الأهمية”.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى