جهات

“أدوكو” .. بلغة تقليدية متينة تزين أقدام ساكنة المناطق الجبلية لاشتوكة

لا يستقيم مقام أبناء الدائرة الجبلية ببعض مناطق سوس، آيت باها إداوكنيضيفوتارفراوت على الخصوص، دون ارتداء البلغة التقليدية “إدوكان”، سواء بالنسبة إلى الرجال أوالنساء أوالشبان أوحتى الصغار؛ فإذا كانت هذه البلاغي واحدة من أبرز مكونات اللباس المحلي بهذه المناطق الجبلية، فإن قيمة “إدوكان” ومكانتها تبرز خلال بعض المناسبات الدينية كالأعياد أو مناسبات أخرى كالأعراس التقليدية، إذ لا يكتمل ولا يستقيم الزي بدون النعال التقليدية.

في مركز آيت باها، يقف الزائر عند محلات وورشات منتشرة بشكل واسع في هذا المركز الجبلي، بوابة الدائرة الجبلية.وتتحولكل تلك المحلات، على امتداد ساعات النهار، إلى أشبه بخلايا نحل لإعداد المواد الأولية لصنع البلاغي التقليدية، مختلفة الأنواع والأشكال والأحجام. وأبرز تلك المواد الأولية الجلود، وهي المادة الأساسية في كل مراحل الصنع، وهو بدوره يمر عبر مراحل قبل أن يكون جاهزا للاستعمال في هذا النوع من الصناعات التقليدية.

وحسب الحرفيين المتخصصين في صنع البلغة التقليدية والذين التقتهم هسبريس بمركز آيت باها، فإن ما يميز إدوكان في هذه المنطقة هو طريقة صنعها، والتي تعتمد بالأساس على الأيدي؛ مما يضفي عليها الطابع التقليدي. كما أن هذهالبلغة التقليدية تزين بزخارف ذات دلالة رمزية على أمازيغية وهوية المنطقة من خلال حروف “تيفيناغ”،وتزركش بأشكال وزخارف هندسية أو يتركها الصانعون بهيئة بسيطة خالية من الزينة، وكل ذلك يجعلها تحتفظ بمقومات الجودة والخصوصية المستوحاة من التراث المحلي.

وأضاف هؤلاء الحرفيون، ضمن حديثهم مع جريدة هسبريس، أن هذه البلغة التقليدية تمتاز بمتانتها؛ وهو ما يجعل استعمالها ولبسها في المناطق الجبلية ذات التضاريس الوعرة أمرا ميسرا، عكس بعض البلاغي الأخرى كالبلغة الفاسية مثلا، إذ إن استعمالها اليومي لدى غالبية السكان المحليين في تلك التضاريس الوعرة يفرض أن تتميز بما يمكن نعته بـ”أمد حياة” طويل، ولن يتأتى ذلك إلا باستعمال مواد أولية ذات جودة وإتقان صنعها وخياطتها، على حد تعبيرهم.

ياسين كوسكار، إعلامي وطالب باحث بجامعة ابن زهر بأكادير، قال، في تصريح لهسبريس، إن “البلاغي أو إدوكان جمعه أدوكو تشتهر بها بعض مناطق سوس، كآيت باها وتافراوت، إذ إنه من المتعارف عليه أن البلغة الصفراء تخصص غالبا للرجال، والحمراء والمزركشة للنساء، ويرتدي الجنسان هذه البلغة في مختلف المناسبات، وتعتبر مكملة للباس التقليدي العريق لأهل المنطقة؛ كالجلباب التقليدي و”الفوقية” للرجال و”أدال” و”تطرفت” و”أقشاب”والحلي الفضية التقليدية بالنسبة للنساء”.

ويرى كوسكار أن “البلغة تظل بالنسبة إلى أهل المناطق ضرورية بل وأساسية لا يمكن للأقدام أن تنتعل غيرها، ولها دلالات أخرى خاصة كونها تعبر عن الارتباط بالبلدة “تمازيرت”. كما لا يمكن لأهل هذه المناطق التخلي عنها في الأعياد والمناسبات كالأعراس المحلية والتجمعات السنوية المسماة محليا بـ”المعروف”، كما تعد واحدة من الهدايا المتبادلة في الأعراس، وتشكل بالإضافة إلى كل ذلك رمزا من رموز الانتماء الهوياتي؛ فبمجرد ملاحظة شخص ينتعلها، فغالبا ما يتكون لدينا انطباع حول انتمائه الجغرافي، أي سوس في غالبا الظن”.

وفي جانب آخر، يقول ياسين كوسكار إن “إيدوكان” يزداد عليها الإقبال في فصل الصيف، “لكونه يشهد الاحتفال ببعض المناسبات، بالإضافة إلى الأعراس والحفلات التي تفضل غالبية الأسر إقامتها خلال هذا الفترة ببلدتهم الأصلية، وبالتالي فإن النعل الأمازيغي صار يفضل كمكمل مناسب للأزياء التقليدية التي تعد رمزا لأناقة متوارثة بين الأجيال في جبال آيت باها والمناطق الأخرى”.

ووفق المتحدث ذاته، فقد “أفلحت “البلغة” الأمازيغية في تحقيق انسجام مع اللباس العصري، إذ صار الشباب والشابات يقبلون على اقتنائها بدون أية مناسبة، عكس ما كان يحدث في ما مضى. كما أن البلغة استأثرت باهتمام هؤلاء بعد عصرنتها وتطويرها بشكل يليق بأذواقهم، إذ أصبح الصانع يساير متطلبات الشباب؛ فأضحى يبدع لإخراج أشكال جديدة خارج النوع التقليدي المعروف، شكلا ولونا وزخرفة”.

وإذا اعتبرنا كون منطقة آيت باها في جبال اشتوكة أحد أبرز الأماكن المشهورة بصنع “إدوكان”، فضلا عن كونها منطقة سياحية، تستفيد من غنى مؤهلاتها، فيرى أحمد أوصياد، رئيس المجلس الإقليمي للسياحة في اشتوكةآيت باها، أن “شهرة بلغة آيت باها يمكن استغلالها في الجانب السياحي، في إطار الترويج لوجهة اشتوكة؛ فمؤهلات الإقليم عديدة ومتنوعة، وصناعة البلغة التقليدية واحدة منها، فالقطاع يشغل يدا عاملة مهمة، بعضها ينتظم ضمن تعاونيات، وهنا لابد أن نشجعها على مزيد من الإبداع بما يخدم تطوير منتوجهم وتحسين دخلهم وظروف اشتغالهم”.

وأضاف أوصياد، ضمن تصريح لهسبريس، أن “مركبا لعرض مختلف المنتجات المحلية شيد بمدخل آيت باها، في محور طرقي بارز، بين أكادير وتافراوت، ويشهد عبور السياح المغاربة والأجانب”، لافتا إلى أن”هذا المركب يمكن أن يحتضن تعاونيات وصانعي البلاغي التقليدية، حتى يساهم في تسويق هذا المنتوج، من جهة، وخلاله التسويق السياحي لوجهة آيت باها؛ وهو ما نسعى إليه مع مختلف المتدخلين، ومنهم الإعلاميون الذين يلعبون دورا بارزا في هذا الصدد، وكل ذلك خدمة للتنمية المحلية”.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى