منبر هسبريس

ضعف الموارد البشرية وفق تقرير النموذج التنموي الجديد

في تكليفه للجنة المعهود إليها بوضع تقرير حول النموذج التنموي للمغرب، أبرز صاحب الجلالة عن رغبته في التوصل بحقيقة الأمر عندما قال في خطاب العرش: “وإننا ننتظر منها أن تباشر عملها، بكل تجرد وموضوعية، وأن ترفع لنا الحقيقة، ولو كانت قاسية أو مؤلمة، وأن تتحلى بالشجاعة والابتكار في اقتراح الحلول”.

ومما جاء في هذا التقرير حول الإدارة وتفاقم سلبية صورتها لدى الجميع نذكر ما يلي: “… ويشكو مسؤولو الإدارة الذين تم الإنصات إليهم من ضعف الموارد البشرية ومن القرارات المتناقضة لتنفيذ سياسات عمومية مفتقرة للوسائل اللازمة. ويقر هؤلاء بالمستوى الضعيف لروح المبادرة لدى الموظفين والمسؤولين؛ وهي الظاهرة التي لا يمكن فصلها عن منظومة تدبير الموارد البشرية المعمول بها، التي ترتكز على الأقدمية وعلى الحرص على الامتثال أكثر منه على حسن الأداء في العمل. وفي اعتقادهم، فإن اتخاذ المبادرة قد يُعَرِّض صاحبها للجزاء في ظل ثقافة سائدة لا تعترف بالحق في الخطأ”.

وحتى نُوَفق بين تطلعات القيادة العليا في مناشدتها للحقيقة وبين عموميات التقرير على هذا المستوى، يكون من الجدير ملامسة الواقع لفهم الظاهرة واستخلاص الحلول، فنجد على سبيل المثال بعضا من مديري الموارد البشرية قد عَمَّروا في مناصبهم مدة كبيرة جعلتهم يتحكمون في دواليب الإدارة، مستغلين أحيانا نفوذهم بقصد طرح صفقات لم تُحقق ما كان مَرْجُوًّا منها، أو بغية فسح المجال لتفشي الفساد عبر خطط في التنقيل مُغلَّفة في ظاهرها بغطاء المصلحة العامة بغير داعٍ ومن دون تورط الموظف في الخطأ أو المحظور، حيث يضيع تبعا لذلك ما خَلُصَ إليه التقرير وما تم اعتباره جوهر الإخفاق، ألا وهو الشعور بالفخر والانتماء، ذلك أن مثل هذه الممارسات لا تصيب الموظف في نفسيته بعدم الاستقرار تجاه محيطه الأسري فحسب وإنما تتعدى ذلك إلى محيطه المهني بما لا يخدم مصلحة المواطنين والمرتفقين، فينشأ التذمر والسخط من كِلا الطرفين.

كما أن توغل مسؤول الموارد البشرية، من شأنه أن يقود إلى تكريس ثقافة المركزية في اتخاذ القرارات و معارضة مفهوم الجهوية مثلما جاء في التقرير- ضمن المعيقات الأربعة الأساسية التي تُعَدُّ مَصْدرَ تراخي دينامية التنمية – عندما أسفر المعوق الثالث عن وجود “تسيير من القمة إلى القاعدة، وعن ضعف استشارة المواطنين وإشراك المجالات الترابية”، حيث تتجلى مثل هذه الممارسات في تدخل الإدارة المركزية في صفقات وبرامج الإدارات الجهوية وفي الإجبار على مسايرة التكوين داخل معهد مركزي بدل المراكز الجهوية التي اسْتُحدِثَت لتفادي عناء التنقل وتفادي إهدار المال العام.

ويبقى تقويم ضعف الموارد البشرية رهينا بتفعيل رابطة الحساب بالمسؤولية، عن طريق كلاّ من المجلس الأعلى للحسابات والسلطة القضائية، الأول في ما يخص تدقيق حسابات المسؤولين من أموال وعقارات تقود إلى قرينة الفساد، والثانية في ما يخص تكريس الأمن القضائي تجاه المستضعفين ضد ذوي النفوذ من مسؤولين وما شابههم، عن طريق تسهيل الولوج للقضاء ليس فقط من خلال مجانية دعوى الإلغاء، وإنما من خلال سن هذه المجانية في دعاوى التعويض عن مبالغ هزيلة حتى لا يطغى المسؤول المتسبب في الضرر و يُعاود الكَرَّة غير ما مرة، و ذلك حتى تَبْلُغ العدالة أهدافها. إذ كيف تستقيم المطالبة بعلاوة هزيلة مقتطعة بغير وجه حق في مقابل تأدية مصاريف قضائية وأتعاب محاماة تفوق الحق المهدور.

كما ينبغي الاهتمام من جهة أخرى بما تنقله المنابر الإعلامية بصفتها سلطة رابعة، من إفادات تستهدف فضح الممارسات الإدارية المشينة التي لا تعكس نُبْلَ الإدارة بقدر ما تعكس قُبْح المسؤول المتصرف باسمها، وهي مناسبة نقترح من خلالها إنشاء مؤسسة النيابة الإدارية العامة تتولى التحقيق في ما ينشر من اختلالات، إضافة إلى التحقيق في قضايا التأديب التي تطال الموظف في ظل انحياز ممثلي اللجنة المتساوية الأعضاء للمدير الذي يرأسها، إلى جانب مهام أخرى مثل جرائم اختلاسات الموظفين.

ولنا الأسوة في ما ينهجه ملك البلاد من إعفاء المسؤولين المقصرين ما لا نجده لدى نهج رئيس الحكومة والوزير المعني.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى