سياسة

“عدوانية” إسبانيا تعكس رواسب الإرث التاريخي والتوجس من الطموح المغربي

يحاول موسى المالكي، أستاذ باحث في القضايا الجيواستراتيجية، في مقال جديد له، فهم عدوانية وسلبية إسبانيا، ومعاكساتها للمصالح الوطنية، ومبادرتها للتنسيق مع خصوم المملكة تعبيرا منها عن عجزها عن مسايرة المغرب، ومحاولة منها لكبح وردع الطموحات المغربية المشروعة.

ويرى المالكي، في المقابل، أن مشوارا طويلا جدا ينتظر المغرب، ويتطلب مشاركة وتضافر جهود جميع مكوناته، والقطع مع كافة أشكال الفساد المالي والإداري والسياسي، والنهوض بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، من خلال تطوير منظومتي الصحة والتعليم والحفاظ على مجانيتهما، وإيجاد فرص الشغل، ومحاربة بطالة الشباب، والإصلاح الضريبي، ومحاربة الريع.

تراقب إسبانيا بتوجس كبير ما تسميها الطموحات المغربية، حيث يبدو أن المغرب عمل طيلة العقدين الأخيرين على تطوير استراتيجية متكاملة الأركان، على المستوى المؤسساتي والاقتصادي والسياسي، لتعزيز موقعه الريادي في شمال إفريقيا وتنويع أدواره الإقليمية.

ويظهر تجميع وتحليل المشاريع والمبادرات المغربية، كتعزيز البنيات التحتية، وسياسة الموانئ، وتطوير القدرات القتالية للجيش، وترسيم الحدود البحرية، والمساهمة البناءة في حفظ الأمن الإقليمي والدولي، والتعاون جنوب جنوب، أنها ليست وليدة الصدفة وإنما تخضع لتدبير وتسلسل محكم ووفق نظرة وتخطيط بعيد المدى.

وتعود أول وأخطر أزمة وقعت بين البلدين في الألفية الجديدة إلى سنة 2002، حين استعرضت إسبانيا “عضلاتها” العسكرية والسياسية، واحتل جنودها بشكل مؤقت جزيرة ليلى المغربية.

ولا تشكل حادثة تهريب الجاسوس الإسباني السابق ومتزعم مرتزقة البوليزاريو الملقب بـ”ابن بطوش”، بهوية مزورة، للتملص من مواجهة جرائمه أمام القضاء، سوى النقطة التي أفاضت الكأس، وتصدى لها المغرب بكل شجاعة وثقة وندية.

سنحاول عبر هذا المقال تناول مسببات الأحداث الأخيرة، التي أخرجت الأزمة الصامتة بين الجارين الأوروبي والإفريقي إلى العلن، انطلاقا من منظور التنافس الإقليمي الاقتصادي والجيواستراتيجي، ومن زاوية الإرث التاريخي الذي خلف رواسب سلبية في ذاكرة الطرفين. كما سنرصد أيضا التطور الكبير الحاصل على مستوى حجم وعدة وتدريب الجيش المغربي وفق أحدث التصنيفات الدولية.

فرض الموقع الجغرافي لكل من المغرب وإسبانيا تشكيل خط تماس مستمر بين العالم العربي الإسلامي والعالم الغربي المسيحي، خاصة خلال المرحلة التاريخية التي حكم فيها المسلمون الأندلس.

وسجل القرن الحادي عشر الميلادي غمار المعركة العسكرية الشهيرة (معركة “الزلاقة”)، التي انتصرت فيها الدولة المرابطية، بقيادة يوسف بن تاشفين، على ملك قشتالة، وشكلت منطلق إخضاع معظم بلاد الأندلس في مرحلة لاحقة تحت سلطان الدولة المغربية آنذاك.

وشهد القرن الثاني عشر بداية حكم الدولة الموحدية للأندلس، وهو الحكم الذي ترسخ بعد نتائج معركة “الأرك”، وتسجيل انتصار جديد للموحدين على ملك القشتاليين ألفونسو الثامن.

في المقابل، استغلت إسبانيا ضعف الدولة المغربية للسيطرة على مليلية في نهاية القرن الخامس عشر، وضم سبتة عند نهاية القرن الموالي، بعدما كانت تحت أيدي البرتغاليين منذ سنة 1415.

وواصلت إسبانيا حملتها الاستعمارية التدريجية بالاقتطاع الممنهج للأراضي المغربية، وفي مقدمتها سلسلة الجزر الواقعة على الساحل المتوسطي الشمالي للمغرب.

وتخضع جزر الخالدات المقابلة للساحل الأطلنتي المغربي بدورها للسيادة الإسبانية، وهي، للمفارقة الصارخة، جزر أقرب جغرافيا للمغرب وللقارة الإفريقية، منها لإسبانيا وللقارة الأوروبية.

وتميز الاحتلال الإسباني لشمال وجنوب المغرب، بعد فرض معاهدة الحماية، بطابع عنيف جدا واستخدام أعتى الأسلحة الفتاكة ضد المدنيين. وواجه الجيش المحتل مقاومة شرسة عرضته لهزائم متوالية على أيدي أبناء جبال الريف، بقيادة عبد الكريم الخطابي، ولم يتمكن الإسبان من بسط نفوذهم إلا بدعم مباشر من الجيش الفرنسي.

ولم يندحر الاستعمار الإسباني من المغرب بشكل متزامن إثر حصوله على الاستقلال سنة 1956، بل تطلب مواصلة بذل الجهود والضغوط التي توجت باستعادة أجزاء واسعة من الصحراء المغربية، بفضل تنظيم المسيرة الخضراء التي نظر لها وقادها الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1975.

ويحمل الاستطلاع، الذي أجراه المعهد الإسباني للدراسات الاستراتيجية سنة 2013 ونشر في السنة الموالية، دلالات عميقة حول ترسبات التاريخ ضمن العقلية الإسبانية إلى حدود اليوم، فقد اعتبر نحو 15 بالمائة من المستجوبين المغرب كأول قوة تهدد إسبانيا.

منذ تولي الملك محمد السادس زمام الحكم، باشر المغرب سلسلة مشاريع تحمل بعدا استراتيجيا، فقد عمل على تعزيز بنياته التحتية، وفي مقدمتها الطرق، لربط وتنشيط الشرايين الاقتصادية للبلاد.

ويعتبر تعزيز الربط الطرقي والسككي في وسط وجنوب المغرب تكملة لنفس السياسة، وتعزيزا للاندماج الاقتصادي للأقاليم الجنوبية المغربية، كبوابة استراتيجية على القارة الإفريقية.

وعزز نجاح صناعة السيارات وبعض مكونات الطائرات موقع وصورة المغرب كمنصة دولية للاستثمار، خاصة أن المغرب يعمل على دخول عالم إنتاج السيارات الكهربائية، وهي النية التي تفسر “الانزعاج الألماني” الأخير من منافس صاعد متوقع.

وشكل افتتاح ميناء طنجة على مشارف مضيق جبل طارق خطوة اقتصادية مؤثرة إقليميا ودوليا، بحكم موقعه الجغرافي الاستراتيجي الدقيق، مما جعله يزاحم موانئ الضفة المقابلة.

ويمثل الميناء قطبا لوجيستيا موصولا بأكثر من 186 ميناء عالميا، بقدرة استيعابية تصل 9 ملايين حاوية، و7 ملايين راكب، و700 ألف شاحنة، ومليون سيارة.

ووفق الموقع الرسمي للميناء، يمثل طنجة المتوسط قطبا صناعيا لأكثر من 900 شركة عالمية ناشطة في صناعات السيارات والطائرات والنسيج واللوجستيك والخدمات بحجم تبادلات يفوق 7300 مليون يورو.

وتمتدّ المناطق الصناعية طنجة المتوسط على مساحة 16 مليون متر مربّع لتشكل منصة إقليمية للتنافسية الصناعية واللوجستيات والخدمات والتجارة.

ويمكننا بوضوح رصد نقل المغرب لسياسة الموانئ نحو الجنوب، بفضل موانئ الداخلة الأطلسي وامهيريز والكويرة، وهي خطوات جبارة ستسهم في جعل الصحراء المغربية منصة دولية للتبادل الاقتصادي بين بلدان القارة الإفريقية، وفي مقدمتها تجمع دول غرب إفريقيا، وبين بقية القوى المصنعة الدولية الراغبة في ولوج السوق السمراء.

يظهر موقع وزارة الطاقة والمعادن والبيئة أن المخطط الوطني لتنمية الطاقات المتجددة يهدف على المدى المتوسط إلى رفع حصة الطاقات المتجددة في الباقة الكهربائية إلى 42 بالمائة في حدود سنة 2020، و52 بالمائة بحلول عام 2030.

وحسب المؤشرات الرئيسية لسنة 2018، بلغت القدرة الكهربائية المنشأة من مصادر متجددة 3700 ميغاواط، بما في ذلك 1220 م.و. من مصدر ريحي، و1170 م.و. من مصدر كهرمائي، فيما القدرة الكهربائية المنشأة من مصدر شمسي لا تزال متواضعة، حيث لا تتعدى 711 م.و، رغم الاستثمارات المالية الهائلة.

وبخصوص الأمن الغذائي، استطاع المغرب منذ حصوله على الاستقلال تعزيز قدرة القطاع على تلبية حاجيات المغاربة من الخضر والفواكه واللحوم الحمراء والبيضاء، ومكنته من مواجهة تأثيرات جائحة “كورونا”.

وأثبت المغرب، والمغاربة قاطبة، قدرة عالية على مقاومة التأثيرات السلبية الاقتصادية والاجتماعية والصحية لجائحة “كورونا”، بل تم فتح نقاش واسع رسمي وشعبي لتقييم سياسات التنمية السابقة، والتفكير في نموذج تنموي جديد يستجيب لتطلعات وانتظارات الشعب المغربي قاطبة.

ورغم الأضرار الوخيمة التي تسببت فيها الجائحة في سائر أنحاء العالم، فإن رفع التحدي أعاد إلى الواجهة عبارة “الاستثناء المغربي”، الذي تردد خلال الأزمة الاقتصادية لسنتي 2007/2008 تحت أنظار القارة الأوروبية بشكل عام والمنافسين الإقليميين للمغرب بشكل خاص (إنتاج المغرب للكمامات، إنتاج أجهزة التنفس الاصطناعي، أجهزة الكشف عن فيروس “كورونا”…).

يتوفر المغرب على جيش مهني واحترافي بكل المقاييس، فخوضه تجارب قتالية عدة داخل حدوده (معارك جيش التحرير، حرب الرمال، سحق حرب العصابات التي شنتها جبهة البوليزاريو بدعم من دول المعسكر الشرقي).

وراكم الجنود المغاربة تجربتهم خلال مشاركتهم لحماية القيم الإنسانية الدولية (الحرب العالمية الثانية ضد النازية، البعثات الدولية لحفظ السلام بالقارة الإفريقية، حروب الشرق الأوسط للدفاع عن القضية الفلسطينية ومساندة مصر وسوريا، المستشفيات العسكرية).

ويتميز الجيش المغربي أيضا بتركيزه على حماية الحدود الوطنية، والابتعاد عن المتاهات والانتماءات والحياة السياسية، لذلك يحظى بدعم وإجماع واحترام وطني شامل.

وسجلت القوات المسلحة الملكية بمداد من ذهب تدخلها العسكري الناجح لتأمين معبر الكركرات، في تحرك أرعب خصوم الوطن لجمعه بين الجرأة والشجاعة والحزم والمهنية العالية، ليس فقط في مواجهة أفراد عصابة مبعثرة ومهزومة من نفسها، لكن في بعثه رسائل ردع قوية وواضحة لصد أطماع الجيران.

ويشارك المغرب بانتظام في مناورات عسكرية داخلية وأخرى دولية للرفع من جاهزية قواته المسلحة بكافة فروعها وتبادل التجربة مع بقية الجيوش.

وتعد مناورات “الأسد الإفريقي” أبرزها وأضخمها، لكونها تجرى مع أقوى جيوش العالم. وتجرى الدورة 17 منها (2021) لأول مرة بعد اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء التي ستضم قسما من هذه المناورات.

وتظهر معطيات موقع تصنيف الجيوش العالمية (Global Fire Power) مواصلة تقدم ترتيب الجيش المغربي بمراتب عديدة، ففي سنة 2021 احتل الرتبة 53 من أصل 140 دولة يشملها التصنيف، بجيش يفوق تعداده 500 ألف رجل، يتوزعون بين كافة فروعه البرية والبحرية والجوية والاحتياط والقوات الموازية.

وحسب نفس الموقع، تشكل القوة البرية السلاح الضارب للبلد، بتوفرها على أزيد من 3 آلاف دبابة، و8 آلاف عربة مدرعة، وأزيد من 500 مدفعية ذاتية الدفع، و156 مدفعية مجرورة، و144 راجمة صواريخ.

كما يتوفر المغرب أيضا على 249 طائرة – تتقدمها طائرات إف 16 الأمريكية الحديثة- وتتوزع بين 83 طائرة مقاتلة، 64 طائرة مروحية، 29 طائرة نقل، 4 طائرات للمهمات الخاصة و67 طائرة تدريب، دون احتساب الطائرات المسيرة.

وتتوفر بلادنا على 121 قطعة بحرية، تتقدمها 6 فرقاطات، و22 من سفن الدوريات. كما عزز إطلاق القمرين الاصطناعيين الجديدين “محمد السادس ألف وباء”، سنتي 2017 و2018، قدرة المغرب على حماية ترابه الوطني ومراقبة التحركات المحتملة للقوات المعادية على حدوده البرية والبحرية.

يذكر أيضا أن المغرب يتوفر على أطول جدار أمني عسكري في العالم، شديد التحصين والحراسة والتلغيم. كما يعمل على دخول عالم الصناعة العسكرية لتلبية احتياجات قواته المسلحة والتخلص من النفقات الثقيلة لصفقات السلاح.

وضمن سياق إقليمي صعب ومتقلب وغير متوقع المخاطر والتحديات ومتداخل التأثيرات، تتأكد أهمية مبادرة المغرب بإعادة إقرار القانون الخاص بالتجنيد الإجباري لفائدة الشباب نهاية 2018 والمنشور بالجريدة الرسمية مطلع سنة 2019.

تقوم السياسة الخارجية المغربية على مبادئ ثابتة وقوية ومستدامة، تنبني على احترام وحدة وسيادة الدول وحسن الجوار ومبدأ رابح رابح والتعاون جنوب جنوب، مما يكسبها مصداقية كبيرة داخل المنتظم الدولي.

وقد بدا واضحا منذ المفاوضات التي سبقت تجديد الاتفاقية الفلاحية، وخاصة اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي، أنه فرض إدماج أقاليمه الجنوبية المغربية ضمن أي اتفاقية اقتصادية يوقعها مع دولة أجنبية.

وشكل قانون ترسيم الحدود البحرية، الذي نشر بالجريدة الرسمية في مارس 2020، صدمة حقيقية لإسبانيا، فهو سيمكن المغرب من بسط نفوذه على مجموع مياهه الإقليمية وعلى منطقته البحرية المتاخمة، وكذا المنطقة الاقتصادية.

وسيضمن المغرب بموجب هذا القانون حقوقه السيادية على الجرف القاري، طبقا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي وقع عليها المغرب منذ سنة 2007، فيما يكمن التوجس الإسباني من استغلال المغرب للموارد الطبيعية الباطنية المحتملة (التنافس على ثروات جبل التروبيك).

وقد عزز الموقع الجغرافي للمغرب داخل القارة الإفريقية ومكانته الاعتبارية ومشاريعه الاقتصادية من مصداقيته ومكانته ومن قدراته التفاوضية. كما يقوم المغرب بجهود جبارة لإرساء السلام الإقليمي والدولي (أزمة دول الخليج مع قطر، استضافة المفاوضات الليبية، التواصل مع أطراف النزاع في دولة مالي، ترؤس لجنة القدس…).

وأخيرا، فإن الأحداث الأخيرة جددت النقاش حول ضرورة تصفية آخر مناطق الاحتلال الإسباني لأجزاء تقع داخل القارة الإفريقية، فسبتة ومليلية تنتميان جغرافيا لإفريقيا، وعلى الدولة المغربية تعبئة منظمة الاتحاد الإفريقي للتضامن معها من أجل استعادة المدينتين والجزر المقابلة لهما.

وبغير ارتياح يمكن تسجيل الصمت الغريب من قبل الحلفاء العرب والأفارقة خلال الأزمة الأخيرة مع إسبانيا، في مقابل التضامن الأوروبي والتصريحات التوسعية الخطيرة التي اعتبرت حدوده تتطاول على حدود قارة أخرى.

تجدر الإشارة إلى أن الهدف من هذا المقال هو محاولة لفهم عدوانية وسلبية الجار الشمالي، ومعاكساته للمصالح الوطنية، ومبادرته للتنسيق مع خصوم المملكة تعبيرا منه عن عجزه عن مسايرة المغرب، ومحاولة منه لكبح وردع الطموحات المغربية المشروعة.

وينتظر المغرب مشوار طويل جدا يتطلب مشاركة وتضافر جهود جميع مكوناته، والقطع مع كافة أشكال الفساد المالي والإداري والسياسي، والنهوض بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، من خلال تطوير منظومتي الصحة والتعليم والحفاظ على مجانيتهما، وإيجاد فرص الشغل، ومحاربة بطالة الشباب، والإصلاح الضريبي، ومحاربة الريع.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى