غير مصنف

محطات ومشاهد وذكريات .. “عيد نوروز” في سان فرانسيسكو الأمريكية

تعد سلسلة “مدن ومطارات وموانئ” نوعا مركبا يجمع بين نوع الكتابة الصحافية وصيغة السيرة الذاتية، وكتابة استرجاعية سردية ينجزها الكاتب المغربي عبد اللطيف هِسوفْ مازجا في ذلك بين الذاكرة والخيال. من خلال حلقات هذه السلسلة، سنسافر مع منصور من مدن الأجداد (دَمْناتْ وأزيلال ومراكش)، ثم من فْضالَة وكازابلانكا، إلى باريس، والعودة عبر الجنوب الإسباني إلى طنجة العالية، ثم إلى نيويورك وفرجينيا وكاليفورنيا بأمريكا.. في رحلة سجلها حافل، بحثا عن شيء لا يعرفه مسبقا، متسلحا بحب المغامرة.

ستبدأ رحلة معاناة صامتة دامت أكثر من ثلاثين سنة أحس فيها منصور في البداية بأنه يعيش الاغتراب في بلده، الإحساس بالعنصرية بفرنسا، ثم التوهم بأنه منبوذ من الحلم الأمريكي.. رحلة عاش فيها حياة المنفى، المنفى البدني والفكري والثقافي، وسط المجتمعين الفرنسي والأمريكي.

يحاول الكاتب اختراق عوالم مصغرة، بأفراحها وأحزانها وتناقضاتها ومغامراتها وأحلامها. خليط من الشخصيات والأماكن المختلفة.. تنقل بين مدن ومطارات وموانئ.. معركة منصور لم تكن سهلة في ديار الغربة، كانت معركة ضارية بلا هوادة ودون انقطاع.

التجارب والصراعات وخيبات الأمل والإهانات نادرا ما كانت انتصارات كاملة أو أفراحا مكتملة. ومع ذلك، كان بحاجة إلى التواصل مع الآخر خوفا من الغرق في الإقصاء أو الملل. انكسارات تبدد فكرة جنة عدن، حيث يتم إعطاء كل شيء دون جهد؛ ولكن، في الوقت نفسه، فإن هذا التواجد في بلد “العم سام” يعزز صورة بلد حيث كل شيء ممكن إذا كانت لديك قوة الإرادة وكثير من الصبر.

في نهاية السنة الفارسية الجديدة، دعت أزيتا منصور إلى شقتها، ليس بعيد عن زقاق ميدن لاين؛ شقة معلقة في الطابق الثامن عشر في ناطحة سحاب شاهقة. نوروز، العيد التقليدي للشعب الإيراني يحتفل بالسنة الجديدة للتقويم الفارسي الذي يتزامن مع اليوم الأول من فصل الربيع. ويعتبر الإيرانيون هذا العيد الأسطوري المتجذر بعمق في طقوس وتقاليد الزرادشتية، والذي يحتفل به منذ ثلاثة آلاف عام على الأقل، ولادة جديدة. كما أن البهائيين – معتنقي الديانة البهائية التي نشأت في إيران – يحتفلون بهذا اليوم كعيد ديني يوافق نهاية صيام فترة 19 يومًا المقدسة. يقول التقليد إن ”هافت سين” يوضع على الطاولة، وهي سبعة أشياء يبدأ اسمها بحرف ‘س’ في اللغة الفارسية. هذه الأشياء تجلب الحظ السعيد للعام المقبل، وهي تشمل المعجنات والبيض والشموع والتفاح والسمك والفواكه المجففة والعناب وبراعم القمح أو العدس التي تنبت خصيصا لهذه المناسبة.

كانت أزيتا تنهي الاستعدادات حين أبلغت منصور أن خالتها وزوجها سيصلان خلال نصف ساعة. “أصبحت عادة أن أستقبلهما كل عام، بمناسبة نوروز، منذ أن غادر زوجي هذا العالم رحمه الله. سوف يكونان سعيدين بمعرفتك، يا منصور”، طمأنته.

حول طاولة كبيرة حلق الضيوف. وضعت أزيتا وبارفين المعجنات مصحوبة بمشروب الزبادي الفارسي. ثم قدمتا سلطة شيرازية من الخيار والطماطم والبصل والبقدونس وزيت الزيتون وعصير الليمون. بعد ذلك، أكلوا من طبق هو مزيج من الباذنجان المطبوخ والبصل والأعشاب، وكلها مغطاة بالنعناع واللبن الزبادي المجفف. كان الطبق الرئيسي سمكا أحمر مدخنا وضع بعناية على الأرز المخلوط بالأعشاب.

علق منصور على الوفرة التي تستخدم بها الأعشاب الطازجة في المطبخ الفارسي. كانت هذه فرصة بارفين، كونها امرأة تعرف أسرار الأطباق الفارسية جيدًا، لتجيب:

ـ ستجد، سيد منصور، في هذا الأرز البقدونس الطازج والكزبرة الطازجة والشبت المجفف والبصل الأخضر والزعفران والزيت. هناك سبب وجيه لكل هذا! الأعشاب الطازجة ترمز إلى ولادة جديدة. بالنسبة إلى لإيرانيين، فإن حلول فصل الربيع يجلب حياة جديدة للطبيعة.

أضاف فراز:

ـ من المعتاد أيضًا تناول السمك في اليوم الأول من العام الجديد لأنه يرمز إلى الحياة.

في نهاية هذه الوجبة الشهية، قدمت أزيتا الآيس كريم الفارسي بالزعفران وماء الورد.

كانوا جميعا في قمة السعادة. انطلقت النقاشات في كل الاتجاهات ولم يحدث أي شيء يزعج هؤلاء المنفيين الإيرانيين الذين كانوا يضحكون مثل الأطفال، متناسين للحظة أنهم بعيدون عن الوطن الأم الذي تركوه مكرهين. غوغوش، المغنية الإيرانية المشهورة التي طردت بدورها إلى كندا، كانت تملأ الحيز. من حين إلى آخر، كانت بارفين تترجم إلى الإنجليزية حتى يفهم منصور، بينما كان الآخرون مندمجون في عالم الحنين، يكررون كلمات الأغنية.

إذا قمت بأعمال مجنونة، فلأنني أردت ذلك

إذا تصرفت بدون شخصية، فلأنني أردت ذلك

إذا كنت قد وضعت ثقتي العمياء فيه،

عدو عائلتي، فلأنني أردت ذلك (….)

بعد هذه الأغنية المذهلة، عاد الأصدقاء الإيرانيون إلى قصص ذويهم: المنفيون في سان فرانسيسكو ولوس أنجلوس ولاس فيجاس وأوتاوا وفانكوفر. قصص تذهلك حقائقها المؤلمة، مساراتها المتناقضة. قصة ذاك الطيار الذي كان يعتبر يومًا ما بطلاً قومياً في إيران بعد مشاركته في الحرب ضد العراق، والذي عين سفيراً في دولة مجاورة لمدة عامين في عهد الشاه، اتهمه الإسلاميون، دون أي دليل، على أنه جاسوس لدولة غربية. يهرب الرجل بأعجوبة من البلاد، ويستقر مع عائلته في كندا للحظة قبل أن يختار العيش في سان فرانسيسكو. ولأنه ليس خائنا، رفض العمل مع أي جهاز استخباراتي غربي وقبل بمهنة موظف بسيط في سوبر ماركت. سقوط اجتماعي صعب ضرب جميع أفراد أسرته في مقتل.

مع اقتراب المساء، قام فراز بتلاوة قصائد الفاضل الكبير جلال الدين الرومي، الملقب بمولانا.

لقرون،

جئت ورحلت، تغازل هذا الوهم.

لقرون،

هربت من الألم وصادرت النشوة.

عد إلى جذور جذور روحك (…)

أنت ولدت من أشعة الله جل جلاله

عندما كانت النجوم في وضعها المثالي.

إلى متى سوف تعاني من ضربات يد وهمية؟

عد إلى جذور جذور روحك (…)

حين عاد منصور إلى غرفته بالفندق ليلا، واصل التفكير في هؤلاء المنفيين الذين قابلهم في طريقه.

يبدأ النفي عندما تتم مصادرة الحاضر، عندما يُحكم على المنفيين بعَدِّ الأيام والليالي والانتظار، انتظار عودة الحقيقة، انتظار المجهول.

كأن الأمر يشبه كسرا مؤلما، موت صغير، موت متكرر، موت أزلي.

مصدر الخبر : هيسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى